المقال ، ولا يضعضعهم خبيث الكلام ، لقوّة بنيانهم ، وثبات أركانهم ؛ فهدم بنيان هؤلاء صعب [ 1 ] ، ولذلك فخرت العرب بمن لا يمكن له ذلك فيهم من أهل الكلام [ 2 ] ، ولذلك ( نوهوا بمن يحسن ) سبّ / الأشراف ، واستحسنوا من ذلك قول ابن صفوان في شبيب : ليس له صديق في السر ، ولا عدوّ في العلانية [ 3 ] .
وفي فصل له : قال أبو عامر : وكما أن لكل مقام مقالا ، فكذلك لكل عصر بيان ، ولكلّ دهر كلام ، ولكلّ طائفة من الأمم المتعاقبة نوع من الخطابة ، وضرب من البلاغة ، لا يوافقها غيره ولا تهشّ لسواه . وكما أن للدنيا دولا ، فكذلك للكلام نقل وتغاير في العادة . ألا ترى أنّ الزّمان لمّا دار كيف أحال بعض الرّسم الأوّل في هذا الفنّ إلى طريقة عبد الحميد وابن المقفّع وسهل بن هارون وغيرهم من أهل البيان [ 4 ] ؟ فالصنعة معهم أفسح باعا ، وأشدّ ذراعا ، وأنور شعاعا ، لرجحان تلك العقول ، واتساع تلك القرائح في العلوم . ثم دار الزمان دورانا ، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة إبراهيم بن العباس ومحمد بن الزّيّات وابني وهب ونظرائهم ، فرقّت الطّباع ، وخف ثقل النفوس . ثم دار الزمان فاعترى أهله باللطائف صلف ، وبرقّة الكلام كلف ، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة البديع وشمس المعالي وأصحابهما .
وكذلك الشعراء انتقلوا عن العادة في الصنعة بانتقال الزّمان ، وطلب كل ذي عصر ما يجوز فيه ، وتهشّ له قلوب أهله [ 5 ] ، فكان من صريع الغواني وبشار وأبي نواس وأصحابهم في البديع ما كان ، من استعمال أفانينه والزيادة في تفريع فنونه . ثم جاء أبو تمام فأسرف في التجنيس ، وخرج عن العادة ، وطاب ذلك منه ، وامتثله الناس ، فكل شعر لا يكون اليوم / تجنيسا أو ما يشبهه تمجّه الآذان ، والتوسّط في الأمر أعدل ؛ ولذلك فضّل أهل البصرة صريع الغواني على أبي تمّام [ 6 ] ، لأنه لبس ديباجة المحدثين على لأمة
هامش
[ 1 ] ب س : أضعف ( اقرأ : أصعب ) .
[ 2 ] أي أن العرب يفتخرون بأولئك الذين لا يستطيع أهل الكلام هدم بنيانهم ؛ وفي العبارة بعض التواء ؛ وانظر حديث الجاحظ ( في الحيوان 2 : 93 ، والبيان 4 : 41 ) عن هجو الشعراء للأشراف .
[ 3 ] يعني خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة وكانت الحال بينهما قائمة على المنافسة والمحاسدة ؛ وكلمة خالد هذه في البيان 1 : 47 قال الجاحظ : وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف .
[ 4 ] ط : وسهل بن هارون وأصحابهم .
[ 5 ] ب س : ويطيب على قلوب أهله .
[ 6 ] ط : عليه .