تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
اليهوديّ أحسن من شعري ، قلت : ولا بأس بفهمك إذ عرفت هذا . ولم يزل يتدرّب باختلافه إليّ حتى ندي تربه ، وطلع عشبه ، ثم تفتح زهره ، وضاع عبقه ، ورآني أستعمل وحشيّ الكلام في مواضعه ولم يشعر بحسن الوضع فاستعمل شيئا منه وعرضه عليّ ، فقلت : استره ، فقال : تبخل عليّ به . وعرضه على ابن الإفليلي ، فقال له : تنكّب هذا الكلام ، فقال له : إن أبا عامر يستعمله ، فقال : يضعه في موضعه ، وهو أدرب منك في استعماله [ 1 ] . وفي فصل له : وربما لاذ بنا المستطعم باسم الشّعر ممن يخبط العامّة والخاصّة بسؤاله ، فيصادف منّا حالة غير ذات فضلة ، لا تتسع له في كبير مبرّة ، فنشاركه ونعتذر له ؛ وربّما أفدناه بأبيات يعتمد بها البقّالين ومشيخة القصّابين ، فإذا قرعت [ 2 ] أسماعهم ، ومازجت أفهامهم ، درّ حلبهم ، وانحلّت عقدهم ، وجلّ شخص ذلك البائس في عيونهم ، فما شئت إذ ذاك من خبزة وثيرة يحشى بها كمّه ، ورقبة سمينة تدفن في مخلاته ، ومن كوز فقّاع يصبّ في فمه ، وتينة رطبة يسدّ بها حلقومه ، وسنبوسقة ودكة تدسّ تحت لسانه ، / وفالوذجة رطبة يحنّك بها حنكه ، فلا يكاد البائس يستتمّ ذلك حتى يأتينا فيكبّ على أيدينا يقبّلها ، وأطرافنا يلطعها ، راغبا في أن نكشف له السّرّ الذي حرّك العامّة فبذلت ما عندها له ، وبادرت بدرها إليه . وتعليمه ذلك النّحو من أنحاء السّحر لا نستطيعه ، لأنّ هذا الذي يريده منّا هو تعليمه البيان ، وبين فكره وبينه حجاب ؛ ولكل ضرب من الناس ضرب من الكلام ، ووجه من البيان ؛ والمرء لا يفجّر صفاة غيره إلّا أن يوفي على معرفة ذلك بفهمه التّبيين والتّبيّن ، ويكون من المستنبطين بوجوه [ 3 ] الحيل على قوانين قائمة ، وأصول ثابتة ، فتكون النّتيجة ما سمعت . وفي فصل : وأصعب من هذا تحريك البخلاء من الكبراء إلى البذل ، لأنهم بعادتهم لا تمكن نقلتهم لعزّتهم ، ولما اشتملت عليه ثياب مجدهم ، فلا ينجع تقريظهم ، فهاهنا يحتاج إلى أثقب ما يكون من الذهن ، وأوسع ما يمكن من الحيلة ، إلّا أنّ هذه العصابة لا يتمكّن لذي التّفاهة تحريكها ، ولا بدّ لها من طبقة يكون لها في العين بعض التّصويب والتصعيد ، ولهذا صار سب الأشراف عسيرا عويصا ؛ فإنّك تجدهم يتدحرج عنهم قبيح
هامش
[ 1 ] زاد في ب س : فانصرف إليّ وعرفني بما جرى وسألني أن أكشف له السر فقلت . . . [ 2 ] ب س : قارعت . [ 3 ] ب س : بجميع .