تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ينجب له تلميذ حمل عليه ذلك النقص ، وظنّ به العجز . جلس إليّ يوما يوسف بن إسحاق الإسرائيلي [ 1 ] ، وكان أفهم تلميذ مرّ بي ، وأنا أوصي رجلا عزيزا عليّ من أهل قرطبة ، وأقول له : إنّ للحروف / أنسابا وقرابات تبدو في الكلمات ، فإذا جاور النسيب النسيب ، ومازج القريب القريب ، طابت الألفة ، وحسنت الصحبة ؛ وإذا ركّبت صور الكلام من تلك ، حسنت المناظر ، وطابت المخابر ، أفهمت ؟ قال لي : إي واللّه ؛ قلت له : وللعذوبة إذا طلبت ، والفصاحة إذا التمست ، قوانين من الكلام ، من طلب بها أدرك ، ومن نكب عنها قصر ، أفهمت ؟ قال : نعم ، قلت : وكما تختار مليح اللفظ ، ورشيق الكلام ، فكذلك يجب أن تختار مليح النّحو ، وفصيح الغريب ، وتهرب عن قبيحة ، قال : أجل ، قلت : أتفهم شيئا من عيون كلام القائل [ 2 ] :
لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت * خفاتا على آثارهم لصبور غداة التقينا [ 3 ] إذ رميت بنظرة * ونحن على متن الطريق نسير ففاضت دموع العين حتى كأنّها * لناظرها غصن يراح مطير
فقال : إي واللّه ، وقعت « خفاتا » موقعا لذيذا ، ووضعت « رميت » و « متن الطّريق » وضعا مليحا ، وسرى « غصن يراح مطير » مسرى لطيفا ، فقلت له : أرجو أنّك تنسمت شيئا من نسيم الفهم ، فاغد عليّ بشيء تصنعه . قال أبو عامر : وكان ذلك اليهوديّ ساكتا يعي ما أقول ؛ فغذا ذلك القرطبي فأنشدني :
حلفت بربّ مكّة والجمال * لقد وزنت كروبي بالجبال
/ في أبيات تشبهه . وجاء اليهودي فأنشدني :
أيمّم ركبانهم منعجا * وقد ضمّنوا قلبك الهودجا ؟
واستمرّ إلى آخر قصيدته ، فأتى بكلّ حسن [ 4 ] ، فقال لي ذلك القرطبيّ : شعر
هامش
[ 1 ] ط : يوسف الإسرائيلي . [ 2 ] وردت الأبيات منسوبة لأعرابي في شرح المختار من شعر بشار : 250 ، وأمالي القالي 2 : 271 ، وحماسة ابن الشجري : 161 ، وأمالي المرتضى 1 : 500 . [ 3 ] المختار : المنقى . [ 4 ] س : بكل شيء حسن .