غير حسن ، كقول امرئ القيس [ 1 ] :
تنوّرتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عالي
فإن هذه الديباجة إذا تطلبت لها أصلا من غريب معنى لم تجده ؛ وكقول أبي نواس [ 2 ] :
طرحتم من الترحال ذكرا فغمنا * فلو قد شخصتم صبّح الموت بعضنا
ثم قال فيها :
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد * هواك ، لعلّ الفضل يجمع بيننا
فهذا من الكلام الغثّ ، واللفظ الرّث ، الّذي لو رامه حمار الكساح لأدركه ، ولكن له من التعلّق بالنفس ، والاستيلاء على القلب ما ترى .
وفي فصل له : وقول الجاحظ : إنّا إذا اكترينا من يعلم صبياننا النحو / والغريب قنع منّا بعشرين درهما [ 3 ] في رأس كلّ شهر [ 4 ] ، ولو اكترينا من يعلمهم البيان لما قنع منا بألف درهم . ولم يقل هذا إلّا وقد ألّف « كتاب البيان » . ولو كشف فيه عن وجه التعليم ، وصوّر كيفية التّدريج ، لأرى كيف وضع الكلام ، وتزيين البيان ، وكيف التوصّل إلى حسن الابتداء ، وتوصيل اللّفظ بعد الانتهاء ، وأبدى لهم عن تدبير المقاطع والمطالع ، فإنّها معادن الصّنعة ، ومواضع مفاتح الطّريقة ؛ ولكنّه استمسك بقائدته ، وضنّ بما عنده ، غيرة على العلم ، وشحّا بثمرة الفهم ، وعرف أنّ النفع كثير ، والشاكر قليل ، فلم يفد بما أوضح من أمر البيان فائدة غير أهله ، ومن كرع في حوضه ، واستاف من ندّه [ 5 ] . وأمّا أن يخرّج مبتدئا ، أو أن يعلّم جاهلا فلا البتّة .
وفي فصل له : قال أبو عامر : وقد كنّا أطعمنا من هذا الطعام بعض التلاميذ ، فاستطابه وعلم مقداره ، ولكنّ البطالة على الفتيان غالبة ، والسآمة عليهم مستولية ؛ فمن بنى على تعليم هذا الشان فلا يعلّم إلّا أهل النجابة والمثابرة على التعليم ، لأنه من لم
هامش
[ 1 ] زاد في ب س : ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ، وقوله . . . ؛ وانظر ديوان امرئ القيس : 31 .
[ 2 ] ديوان أبي نواس : 45 .
[ 3 ] س : دينارا .
[ 4 ] ط : في الشهر .
[ 5 ] واشتار من ثغره .