تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
البطش ذا يدين ؛ هذا حبيبك قائد أعنتها ، ذا خليلك مالك أزمتها ، هذا أبو الجيش مصعب على مقرب ، ومغضب يضرب بمقضب ، آن لذهب العلم أن يزفّ ، وحان لجوهر الفهم أن يشف ؛ ويل للجهل وبنيه ، وعشيرته وأقربيه . وفي فصل [ 1 ] : ولقيت إخوانا لقوك ، فوالذي جعل الغدر من شعارهم ، والحذر من دثارهم ، ما أجروا في ذكرك ، فضلا على أن يجروا ذكري لك ، وهم يعلمون أنّ مرماي غير مرماهم ، ومغزاي سوى مغزاهم ، ويوقنون أنّ أبعد آمالي في صديق إذا سما ، وأرفع رغباتي لديه إذا طمى ، انفراج بابه ، وانهتاك حجابه ، يمتعني بإشراق وجهه ، ويوردني غدير بشره ، ويزنني بغيري من إخوانه ، ويضربني بسواي من أهل زمانه ، ولا يقلّل حظي من إكرامه ، ولا يهجر قسطي من لطيف اهتمامه ، بعد أن يعدّل القسطاس ، ويميز الذّهب من النحاس . وفي فصل : وهذا أخف حمل وأيسر . فأدركني ما يدرك من طاب غرسه ، وكرمت عليه نفسه ، وأزمعت على المقاطعة ، فقلت : الصبر / أولى ، والإنصاف أحجى ، لا بدّ أن توفى الرجال مقاديرها في أزمانها ، ويستحال [ 2 ] لها عند استحالة أعيانها ؛ وتخشّع من أوهد لمن أصعد سداد ، وتلين من أتهم لمن أنجد رشاد ، فتقلقلت واضطربت ، وتجمعت لي وانقبضت ، ثم جاشت كما يجيش البحر ، له همهمة وزخر ، فقالت : ثكلتك المكارم يا ابن الأكارم ! ألست من أشجع في العلا ، ومن شهيد في الذّرى ، وللخالق في صدرك حكمة ، وللرازق في حجرك نعمة ؟ تقول بهذه فتسمع ، وتغنى بتلك فلا تخضع ، وساويت امرأ لم تحتج إليه ، ووازنته ما لم تطمع فيما لديه ؟ لا أسرّ إنما أعلن ، قيمة كل امرئ ما يحسن . قلت لها : فأين اليأس ؟ قالت : هو في القلب والرّأس ، لئن أصابه غيرك فارسا ، إنك لغير بعيد منه راجلا ، فقلت : لقد أدركتك عجرفية ، واستولت عليك أعرابية ، لا بدّ من قصدي أبا الجيش [ 3 ] ، قالت : ليهنك العيش ، في أبرد من ظل الخيش ! وقصدتك من جهتي ، فلم أشكّ ولم أقرّ ، ولم أعرف ولم أنكر ، وانصرفت بين الحالتين ، لا قرب ولا شحط ، ولا رضى ولا سخط .
هامش
[ 1 ] هذا الفصل شديد الإيجاز في ط . [ 2 ] ط : ويستحمل . [ 3 ] في النسخ : إلى الحبيش .