تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
القصوى ومنتهاها ، وينبوع آياتها ، ومادّة حياتها ، وحقيقة ذاتها ، وابن ساستها وأساتها ، ومعنى أسمائها ومسمّياتها ، نادرة الفلك الدّوّار ، وأعجوبة اللّيل والنّهار ؛ إن هزل فسجع الحمام ، أو جدّ فزئير الأسد الضّرغام ؛ نظم كما اتّسق الدرّ على النحور ، ونثر كما خلط المسك بالكافور ، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود ، تشقّ القلوب قبل الجلود ، وجواب يجري مجرى النّفس ، ويسبق رجع الطّرف المختلس . وقد ذكره أبو مروان ابن حيان في غير ما موضع [ 1 ] من كتابه فقال : كان أبو عامر يبلغ المعنى ولا يطيل سفر الكلام ، وإذا تأملته ولسنه ، وكيف يجرّ في البلاغة رسنه ، قلت عبد الحميد في أوانه ، والجاحظ في زمانه . والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نثره ونظمه في بديهته ورويّته ، فيقود الكلام كما يريد من غير اقتناء للكتب ، ولا اعتناء بالطّلب ، ولا رسوخ في الأدب ، فإنه لم يوجد له ، رحمه اللّه - فيما بلغني - بعد موته ، كتاب يستعين به على صناعته ، ويشحذ من طبعه إلّا ما لا قدر له ؛ فزاد ذلك في عجائبه ، وإعجاز بدائعه . وكان في تنميق الهزل والنادرة الحارّة [ 2 ] أقدر منه على سائر ذلك . وشعره حسن عند أهل النّقد ، تصرّف فيه تصرّف المطبوعين ، فلم يقصّر عن غايتهم . وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة وأنواع التّعريض والإهزال ، قصار وطوال ، برّز فيها شأوه ، وبقّاها في الناس خالدة بعده . وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدّته ، مع رقّة حواشي كلامه ، وسهولة / ألفاظه ، وبراعة أوصافه ، ونزاهة شمائله وخلائقه ، آية من آيات اللّه خالقه ؛ من رجل غلبت عليه البطالة فلم يحفل في آثارها بضياع دين ولا مروءة ، فحطّ في هواه شديدا حتى أسقط شرفه ، ووهّم نفسه راضيا في ذلك بما يلذّه ، فلم يقصر عن مصيبة ، ولا ارتكاب قبيحة [ 3 ] . وكان مع ذلك من أصحّ الناس رأيا لمن استشاره ، وأضلّهم عنه في ذاته ، وأشدّهم جناية على حاله [ 4 ] ونصابه . وكان له في الكرم والجود انهماك ، مع شرف وبطالة ، حتّى شارف الإملاق ، فمضى على هذه السبيل رحمه اللّه ، انتهى كلام ابن حيّان . قال ابن بسّام : وقد أخرجت من أشعاره الشاردة ، ورسائله الباقية الخالدة ، ونوادره
هامش
[ 1 ] ط : في غير مكان . [ 2 ] ب س : الحادة . [ 3 ] من رجل . . . قبيحة : سقط من ط . [ 4 ] ب س : ماله .