أصرف إلى المنصور حتّى صرت عند أبي ، وقد ظننت أنّه متجاف عنه لي ، أو تارك منه معي ؛ وكانت لي فيه آمال ، من التوزيع على الخدمة والعمّال ، من الصّبيان وصبايا الجيران . أمر ففرّق منه على بطانته ، وأشار بحمل باقيه إلى خزانته ، فظللت واجما ، وطفقت راغما ، أطفئ جمرتي فتذكو ، وأخفي من لوعتي فتبدو . وبلغ ذلك المنصور ، فوجّه نحوي بخمسمائة دينار ، وأقسم على أبي بحياته ألّا يمنعني منها ، وأن يدعني بحكمي فيها ؛ فبادرت بالرّكب والرّجل ، وأخذت في العطاء والبذل [ 1 ] ، وحبوت بأجزل الحباء ، والخيل إذ ذاك نخب [ 2 ] من قصب ، والدّرق قشور من خشب ، فيومي مذكور في منية المغيرة إلى الآن ، إذ كان مسكننا بدار ابن النعمان .
/ وأغربها ماتة ، وألطفها وصلة ، أنّ أخي موسى انتزعه المنصور من أبيه ، وأحلّه محلّ بنيه ، فاجتمعت الأفواه على الثديّ ، والتقت الشّفاه على الدّر المريّ ؛ وقبضه اللّه إليه وقد رتع في مراتعكم ، وجثم في مضاجعكم ، فنحن عمّار مقاصركم أحياء ، وقطّان مقابركم أمواتا ، جمعنا بذلك عشرة العاجلة والآجلة ، وحصلنا على صحبة الدنيا والآخرة .
هذه - أيّده اللّه - لمعة أبديتها له من وصائلي ، وغرة أطلعتها إليه من وسائلي .
وفي فصل :
ومملوكك عاكف على الوطن ، عكوف الراهب على الوثن ، ولم يبق من النّعمة غير مصاصة بلّة قد آن لها أن ترتشف ، وتفاهة ثمرة حان لها أن تخترف ؛ وعرّج لمآله ، والنّظر لعاقبة حاله ، على استخراج ما يمكن [ 3 ] من أصول نعمتكم ، ليصون بها جمّة وجنته ، ويفر عليها نطفة صفحته ، إذ لا سبيل إلى التعريج على غير ذلك قطعا ، ولا إلى الالتباس بسواه حتما ، ولو لحس التراب ، وذاب في الثياب ، فإنّه يتنفّس عن نفس همّتها الكوكب ، وهمّها الغيهب ؛ فلولا همّتها لأظلم الدّهر ، ولولا همّها لأسفر الأمر ، وهذا موضع الحدس لا امتراء ، وخليقة النّفس لا ادّعاء . ووعد الوزير عباس بصرف ضيعة لي بجهة تدمير ، حالت الفتن دونها ، واضطراب الأحوال عن / مطالعتها . وأنا أسأل فضلك سؤال المدلّ في استنجاز ما وعد ، فإنه يعتاض من شكري وثنائي عليه ، وصدعي في المحافل
هامش
[ 1 ] ب س : البذل والعطاء .
[ 2 ] ط : نجب .
[ 3 ] ط : تمكن .