فتكه به من حاشيته وغلمانه أزيد من مائة رجل سوى نسائه ، فطار الرّجال على وجوههم فزعا ، ولم يكن فيهم من يأخذ على يده ، وقام بينهم كالأسد الورد ، فحزّ رأس الفتى منذر للوقت ، وأخرجه إلى الناس [ 1 ] ، فهمّتهم أنفسهم وأبلسوا ، ولم ينطق منهم أحد بكلمة .
وأرسل من حينه يستدعي قاضي [ 2 ] البلد والمشيخة ، فدخلوا عليه وهو قاعد على فراش منذر قتيله ، ومنذر إلى جانب الفراش مرمّل [ 3 ] في دمائه ، مغطّى بثيابه ؛ ووصف أنّه جرى في سبيل الإصلاح عليهم ، / والشّدّ لسلطانهم ، وتقدّم إليهم بتسكين من خلفهم من العامّة ، وأظهر الدعاء أوّلا لسليمان بن هود ، فأروه قبول ما وصفه ، وتفرّقوا عنه ، وكلمتهم مختلفة عليه ، إلى أن ثاروا به وقاتلوه ، فخرج من باب بظهر القصر ، ونجا منه بفاخر ما اشتمل عليه من ذخائر آل منذر ، ولحق بحصن روطة اليهود [ 4 ] ، أحد معاقل سرقسطة المنيعة ، وقد كان أعدّه لنفسه ، فأقام به يرصد [ 5 ] الفتنة جهده . وكان قد حمل مع نفسه الغلامين أخوي منذر [ 6 ] قتيله ، وحمل أبا المغيرة بن حزم وزيره وغيرهم من وجوه رجال منذر الّذين نكبهم عند قتله مقيّدين ، فحبسهم عنده ، يطالبهم بالأموال .
ونهب العوامّ قصر سرقسطة إثر خروجه نهبا ما سمع أعظم منه ، حتى قلعوا مرمره ، وطمسوا أثره ، لولا تعجيل ابن هود ملك البلد إثر ذلك في المحرّم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة . انتهى كلام ابن حيّان .
قال ابن بسّام : وأذكر بهذه الغدرة الصّلعاء ، والفتكة الشّهيرة الشّوهاء - إذ الشيء يذكر مع ما جانسه ، ويضم إلى ما التف به ولابسه - ما اتّفق من مثلها في ملك المناديّين إلى وقتنا هذا على طرف إفريقية الأدنى إلى الأندلس ، المستقرّة رياستهم بقلعتهم المنسوبة إلى جدّهم / حمّاد [ 7 ] ؛ وذلك أنّه لمّا أفضى ملكهم إلى بلقّين بن محمّد منهم ،
هامش
[ 1 ] ط : للناس .
[ 2 ] ط والبيان : عن قاضي .
[ 3 ] ط : مرسل ؛ ب س : مزمل .
[ 4 ] روطة اليهود( Rueda de Jalon ): في ولاية سرقسطة . وهذه التسمية تميزها عن روطة ثانية في ولاية وشقة وعن روطة ثالثة في ولاية قادش .
[ 5 ] ط : يرتصد .
[ 6 ] ط والبيان : مع نفسه أخوين لمنذر .
[ 7 ] انظر عن الحماديين ، تاريخ ابن خلدون 6 : 171 - 177 وقد حكم بلقين بن محمد 447 - 454 حيث قتل على يد الناصر بن علناس .