أحد جبابرة الإسلام ، المفتاتين على الأنام ، من رجل كان لا يملأ يده إلّا من لبدة أسد ، ولا يسرّح لحظه إلا في نهاب بلد مضطهد ، ولا يراح إلّا وبحر الموت يلتطم ، ولا يكلّم إلا حين يبتسم [ 1 ] قد تجاوز في شذوذ [ 2 ] أمنيّته ، وقهره لرعيّته ، والإخافة لأقرانه ، والاستبداد على زمانه ، غاية من سلف من جبابرة الأرض ، وسمع به من فراعنة الإبرام والنّقض ، إلى شهرة آثاره ، وتطاوح [ 3 ] أسفاره ، وما لا يحصى من عجائب أخباره .
حدّثت أنّه آب مرة من بعض غزواته الأفراد ، المقلقلة [ 4 ] لاحشاء الأنام والبلاد ؛ فكأنّه ارتاح إلى ما يرتاح إليه الناس من إراحة [ 5 ] نفسه ، والخلوة ولو ساعة بوجه أنسه ؛ فجلس لذلك مجلسا حشد له شهواته ، وتقدّم في إحضار ما يصلح له من آلاته وأدواته ؛ وأمر قيّمة جواريه باستحضار عقيلة أترابها يومئذ جلالة سلطان ، وحسن سماع وعيان ، إحدى بنات عمّه دنيا ، لم ير بعدها - زعموا - ولا قبلها أبرع ظرفا ، ولا أقتل طرفا منها ؛ فجاءت تودّ الثريّا لو تكون نعلها ، والشمس لو تصوّر مثلها ، وقد خطرت بنفسه إحدى هناته ، وتمثّلت له بعض غزواته ؛ / فأخذ يدبّر ، وطفق يورد ويصدر . قالت قيمته : وكأني انظر إلى الكأس في يده ، وإلى ابنة عمّه قائمة على رأسه ، من لدن صلّيت العصر حتى طلع الفجر . وحانت منه بعد طول ليلته نظرة فرآها ، فاعتذر إليها واستدناها ، ووعدها ومنّاها ، وقام من حينه فوضع الكأس ملأى في طاق وطبع عليها ، وأمر بالرّكوب من حينه ، فغزا غزوته المشهورة إلى الغرب من العدوة [ 6 ] ، بلغ فيها مدينة فاس ، فوطئ الدول ، ودوّخ السهل والجبل ؛ ثم رجع فجلس ذلك المجلس بعينه ، واستدعى كأسه تلك وابنة عمّه ، فخلا بأنسه ، وقضى وطره من لذّة نفسه ، بعد أيّام كثيرة ، وحروب مبيرة . ولمّا تناهى أمره ، وتجاوز السّها ذكره ، وظنّ أنّ البلاد تحت ختمه ، وأنّ الناس على حكمه ، سما إليه في بعض أسفاره ابن عمّه الناصر ، أصغر خلق اللّه عنده شأنا ، وأهونهم عليه سرّا وإعلانا ، من فتى علّمه الخوف كيف يجسر ، وهجم به ضيق المسلك
هامش
[ 1 ] من قول الشاعر :يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم[ 2 ] س ب : شرود .
[ 3 ] ب س : وتطارح .
[ 4 ] ب س : المقلقة .
[ 5 ] ط : راحة .
[ 6 ] ط : إلى غرب العدوة .