تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
على الموت وهو ينظر ، لم يشاور إلا الحسام ، ولا استصحب إلّا الإقدام ؛ وقد كان بعض نصحاء بلقّين خوّفه منه ، لكلمة أخذت يومئذ عنه ، فجعلها بلقّين نقلة ركابه ، وسمر أصحابه . وكان قلّما يركب إلّا دارعا ، آخذا بما يأخذ به من ذعر القلوب ، ووتر البعيد والقريب ؛ وكان مولعا بالإدلاج إذا ارتحل ، مؤثرا للانفراد كلما ركب ونزل ؛ فأقسم تلك الليلة ألّا يدلج إلا حاسرا ، وليقتلنّ [ 1 ] الناصر إذا نزل ولو كان أسدا خادرا ؛ فأعجله عن الأمر ، ولمّا يبد وضح الفجر ؛ لقيه كأنّه يسلّم عليه ، أو يسير بين يديه ، فما راجعه الكلام ، إلّا وقد جلّله الحسام ، وأراح / منه البلاد والأنام ؛ ثم قام مقامه ، واستظلّ أعلامه ، وأمر برأسه فرفع على بعضها وسير به أمامه ، والناس يظنون أنّ [ 2 ] بلقّين ، قد قتل بعض أتباعه الممتحنين ، فهم يتساءلون عمّن قتل ، ويرجمون الظّنّ فيما فعل ، حتى طلعت الشمس ، وارتفع اللّبس ؛ فأمر برفع مضاربه ، وحشر زعماء ذويه وأقاربه ، فقال : أنتم تعلمون أنّ بلقّين قتل أختي ، وفجعني بأكرم حرمتي ؛ وإنّما شفيت صدري ، وأخذت بوتري ، لا أنّي حدثت نفسي بسلطانكم ، ولا رأيتني أهلا للدخول في شيء من شأنكم . فردوا عليه جميلا ، ورأوا إمهاله قليلا ، وظنوا أنه لم يجسر على ما فعل إلّا وله أشياع ، وحوله أعوان على ذلك وأتباع ؛ فكلّ واحد منهم قد ارتاب بمن يليه ، وأهمّه ما هو فيه ؛ وأمر لحينه بخزائن بلقين فأنهبها ذؤبان العرب وصقورة زناتة ، فاستخلص بذلك غيوبهم ، وأمال إليه قلوبهم ، ورحل تحت ليلته يطوي المراحل ، ويعتسف المجاهل ، فسبق الأخبار إلى القلعة فوطئ الحريم ، وتملك الظّاعن والمقيم .

فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عامر أحمد بن عبد الملك ابن شهيد

وسياقة جملة وافرة من نظمه ونثره [ 3 ] قال ابن بسّام : وكان أبو عامر شيخ الحضرة العظمى [ 4 ] وفتاها ، ومبدأ / الغاية
هامش
[ 1 ] ط : وليفتكن . [ 2 ] ط : أنه . [ 3 ] ترجمة ابن شهيد في المطمح : 16 ، والمطرب : 147 ، واليتيمة 2 : 35 ، والجذوة : 124 ( والبغية رقم : 437 ) ، ومعجم الأدباء 2 : 218 ، واعتاب الكتاب : 203 ، وابن خلكان 1 : 116 ، والمغرب 1 : 78 ، والخريدة 2 : 555 ، والوافي 7 : 144 ، والمسالك 11 : 206 وقد جمع شعره كل من يعقوب زكي ( القاهرة : 1969 ) وشارل بلا ( بيروت : 1963 ) ولشارل بلا محاضرات عنه ( عمان : 1966 ) وانظر فصلا عن ابن شهيد في كتابي « تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة » 270 الطبعة الثانية . [ 4 ] ط : شيخ قرطبة .