اعتلال ، فسألني عن الحال ، وعما شغل البال ، فلم يكن جوابي غير النّشيج والعجيج ، وسوى العويل والضجيج ؛ ولقي المظفّر على حينه ، وأدّى إليه ما شاهد منّي ، فوجّه عنّي ، فلما صرت بين يديه ، أمر بي فألبست ثياب الحرير ، وضمّخت بنفّاح العبير ، وحملت على فرس بسرجه ولجامه ، ينهلّ من أعطافه ماء جمامه ، وأتبع ذلك ألف دينار في طبق ، كأنها عيون النّرجس الصفر [ 1 ] الحدق ، وعقد لي على الشرطة ، وكانت لسنّي أرفع خطّة ، فانصرفت وأنا انظر عطفي عن شوس ، وقد ضاق صدري على أبي عن سعة نفس .
ومن مواتي بالنّاصر أبيه - برّد اللّه مضجعه ، ونعّم مهجعه - أني صرت بين يدي المنصور ، في يوم مطير ، وأنا ابن خمس ، أذكر ذلك ذكري لما كان بالأمس ، وكان من إكرامه لي ، ولطيف اهتمامه بي ، ما يطول به الكتاب ، ولا يحتمله الخطاب ؛ وعينه ومحضه ، وصريحه وزبده : أنّه وهبني يوما تفّاحة كانت بين يديه كبيرة ، ورآني انظر إليها نظر الكلف ، وأتأملها تأمل الشّره ، فأمرني بالقبض عليها ، والعضّ فيها ، فضاق فمي عن أن أحيط بجزء من أجزاء كرتها [ 2 ] ، وصغرت كفّي عن أن تقبض إلّا بمخنق من مخانق أنحائها ، فجعل يقطع لي بفمه ، ويطعمني على حكمه ؛ ودعا الناصر ، ومعه فتى سمعتهم يكنونه أبا شاكر [ 3 ] ، فقال له : احمله إلى أمّك ، وارفق به في أمّك ؛ فأخذا بيديّ أمامه ، وابتدرا يسيران بي قدّامه ، وأنا لا أسمح في القياد لشدّة ذلك الوابل ، وتتابع قطر ذلك الهاطل ، فصاح بهما : / أقلّاه فاحملاه على أعناقكما ، وسوقا به سوقا رفيقا أحسن مساقكما . فلفّا أعضادهما لفّا ، ووصلا أذرعهما بأعناقهما وصلا ، وامتطيت العاتق الكريم ، على عين الملك الزّعيم ، امتطاء امتنان ، لا امتطاء امتهان ، ومرّا بي حتّى أنزلاني بين يدي السّيّدة ، وإليها أمر كلّ قيّمة ؛ فاستوت بي على سريرها ، وعلى مفرقها إكليل من مهابة أميرها ؛ فلا أنسى ذلك البهاء في ذلك البهو ، وذلك الحسور إليّ من قناع الزّهو ، وطار الخبر بقدومي في مقاصير العقائل ، وحجرات الكرائم ؛ فأرقلن من تلك المصانع ، تطير بهنّ أجنحة الصّنائع ، فيا لها من كسى وخلع ، وغرائب وبدع ! وأمرت السّيّدة بألف تحمل معي عن نفسها ، وثلاثة آلاف عن سيّدها ، فانصرفت بالغنى ، من ذلك الجنى ، ولم
هامش
[ 1 ] ط : المصفر .
[ 2 ] ط : يجزئ من أجزائها .
[ 3 ] ب س : يدعونه بشاكر .