فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي * تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلّت ركائبي * وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رقّ وكاغد * وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة * فكم دون ما تبغون للّه من ستر
وله :
من ظلّ يبغي فروع علم * بدءا ولم يدر منه أصلا
فكلّما ازداد فيه سعيا * زاد لعمري بذاك جهلا
وقال :
كأنّك بالزوّار لي قد تبادروا * وقيل لهم أودى عليّ بن أحمد
فيا ربّ محزون هناك وضاحك * وكم أدمع تذرى وخد مخدّد
عفا اللّه عنّي يوم أرحل ظاعنا * عن الأهل محمولا إلى بطن ملحد
وأترك ما قد كنت مغتبطا به * ألقى الّذي آنست دهرا بمرصد
فوا راحتي إن كان زادي مقدّما * ويا نصبي إن كنت لم أتزوّد
ويا لبدائع هذا الحبر علي بن حزم وغرره ! ما أوضحها على كثرة الدّافنين [ 1 ] لها ، والطّامسين لمحاسنها ! وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه ، فأزهد الناس في عالم أهله ، وقبله أردى العلماء تبريزهم على من يقصر عنهم ، والحسد داء لا دواء له ؛ انتهى ما لخّصته من كلام ابن حيّان في خبره .
قلت أنا : ولعمري ما عقّه ، ولا بخسه حقّه . وأخبرني الفقيه الحافظ أبو بكر ابن الفقيه أبو محمّد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد اللّه الحميدي قال [ 2 ] : كان لشيخنا الفقيه أبي محمّد بن حزم في الشّعر والأدب نفس واسع ، وباع طويل ، وما رأيت أسرع بديهة منه ؛ وشعره كثير ، وقد جمعته على حروف المعجم ، ومنه ما كتب عنه [ 3 ] :
هل الدهر إلّا ما رأينا وأدركنا ؟ * فجائعه تبقى ولذّاته تفنى
هامش
[ 1 ] ط : الراقبين .
[ 2 ] جذوة المقتبس : 291 - 293 .
[ 3 ] الإحاطة 4 : 114 .