من عامّة المقتبسين / منه ، من أصاغر الطّلبة الذين لا يخشون فيه [ 1 ] الملامة ، يحدثهم ويفقههم ويدارسهم ولا يدع المثابرة [ 2 ] على العلم ، والمواظبة على التأليف ، والإكثار من التصنيف ، حتى كمل من مصنّفاته في فنون العلم وقر بعير ، لم يعد أكثرها عتبة بابه لتزهيد الفقهاء طلّاب العلم فيها ، حتى أحرق بعضها بإشبيليّة ومزّقت علانية ، لا يزيد مؤلّفها ذلك إلّا بصيرة في نشرها ، وجدالا للمعاند فيها ، إلى أن مضى لسبيله [ 3 ] .
وأكثر معايبه - زعموا - عند المنصف له ، جهله بسياسة العلم التي هي أعرض من إيعابه ، وتخلّفه عن ذلك على قوّة سبحه في غماره ؛ وعلى ذلك كلّه فلم يكن بالسّليم من اضطراب رأيه ، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه ، إلى أن يحرّك بالسؤال فيفجّر منه بحر علم لا تكدّره الدلاء ، ولا يقصر عنه الرشاء ، وعلى كل ما ذكرناه دلائل ماثلة ، وأخبار مأثورة .
وكان ممّا يزيد في شنآنه تشيّعه لأمراء بني أمية ، ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس [ 4 ] ، واعتقاده لصحّة إمامتهم ، وانحرافه عمّن سواهم من قريش ، حتى نسب إلى النّصب لغيرهم [ 5 ] .
/ وقد كان من غرائبه انتماؤه في فارس ، واتّباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدّهر تولّى فيها أبوه الوزير المعقّل في زمانه ، الرّاجح في ميزانه ، أحمد بن سعيد بن حزم لبني أميّة أولياء نعمته ، لا عن صحّة ولاية لهم عليه ، فقد عهده النّاس خامل الأبوّة ، مولّد الأرومة من عجم لبلة ، جدّه الأدنى حديث عهد بالإسلام ، لم يتقدّم لسلفه نباهة ، فأبوه أحمد على الحقيقة هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدّهر برأس رابية ، وعمده بالخلال الفاضلة من الرّجاحة والمعرفة والدّهاء والرّجولة والرأي ، فاغتدى جرثومة شرف لمن نماهم ، أغنتهم عن الرسوخ في أولي السابقة ، فما من شرف إلّا مسبوق عن خارجية ،
هامش
[ 1 ] ط : فيهم .
[ 2 ] ط : المناظرة .
[ 3 ] ومزقت . . لسبيله : لم يرد في ط .
[ 4 ] ط : وبالأندلس .
[ 5 ] في بعض هذا جانب من الغرابة ، فابن حزم في رسالة له في أسماء الخلفاء والولاة يعتقد بإمامة ابن الزبير ويقول في مروان بن الحكم : « وهو أول من شق عصا المسلمين بلا تأويل ولا شبهة وبايعه أهل الأردن وخرج على ابن الزبير » ( جوامع السيرة : 359 ، وانظر نقاشنا في المقدمة : 12 لهذا القول أيضا ) ويقول ابن حزم أيضا في المحلى 1 : 236 : « مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد اللّه بن الزبير » .