تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وله من أخرى : وإن رأيت تأنيسي بكتاب أجتلي منه وجوه البدور ، وجواهر النحور ، ودرر الثغور ، وأجتني به ثمر السرور ، وأرتع معه في رياض العلوم ، ما بين منثور ومنظوم ، نفّست من خناق مشتاق كئيب ، وأنّست من وحشة منفرد غريب ، بحيث لا أخ كريم ، ولا وليّ حميم ، فقد صرت ، ولا أحيل على الأثر بعد العين ، كما قال أحمد بن الحسين [ 1 ] :
ما مقامي بأرض نخلة إلّا * كمقام المسيح بين اليهود
وعرّفني بعلوّ مكارمك ، ووضوح معالمك ، في درج كتابك ، وطيّ خطابك ، بحالي شقيقيّ في النسب ، وشفيعيّ في الأدب ، أبي فلان وفلان :
هم الذين أذاقوني مودّتهم * حتّى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا [ 2 ]
وللّه أيام جلالي الدهر شخصيهما شجني نور ، بقلوب أسد / وألحاظ صقور ، إذ كنت كالعروس وهما قرطاي ، أو كالفلك الدّوّار وهما قمراي ، وأنسنا كالمشتري نازلا ببرج القوس ، وسعدنا كسعد محتبيا بين الخزرج والأوس . وله من أخرى يخاطب بها عن نفسه الفقيه أبا عمر ابن عبد البرّ [ 3 ] : ولقد بقيت حالي بعدك مريضة ، وعين آمالي مغضوضة ، وأيدي أنسي مقبوضة ، وجيوش صبري عنك مفضوضة ؛ فقد كان ذلك البعد الطّويل أحدث بعض السلوان ، وأتى بما في طبيعة الإنسان من النّسيان ، وإن كان هذا القول لا يقال على الإطلاق ، بل على الإضافة لما في الحال بحديث الافتراق ، حتى إذا وقع اللّقاء تأجّح من ذلك الالتياع خامده ، وثار راكده ، وسال جامده ، وكانت حالنا ما قال أبو الطيب [ 4 ] :
افترقنا حولا فلما التقينا * كان تسليمه عليّ وداعا
هامش
[ 1 ] ديوان المتنبي : 14 . [ 2 ] البيت للعباس بن الأحنف ؛ ديوانه : 84 ( رقم : 159 ) ، والشعر والشعراء : 476 ، 707 . وروايته : أشكو الذين . [ 3 ] أبو عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي ( - 463 ) ؛ انظر ترجمته في ابن خلكان 7 : 66 ، وترتيب المدارك 4 : 808 ، وتذكرة الحفاظ : 1128 ، والصلة : 640 ، والجذوة : 344 ( وبغية الملتمس رقم : 1442 ) ، والمغرب 2 : 407 ، والديباج المذهب : 357 . [ 4 ] ديوان المتنبي : 526 .