تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فلا تصحب . حتّى إذا غلب اليأس ، وشمت النّاس ، وضربت بي الأمثال ، فقيل أكثر الآمال ضلال ؛ تنبّه الدهر من رقدته ، وحلّ من عقدته ، وقبل منّي ، وأظهر الرضى عني ؛ وقال دونك ما جمح [ 1 ] ، فقد سمح ؛ وإليك فقد دنا ، ما كان في المنى ؛ فطرت بجناح الارتياح ، وركبت إلى الغمام كواهل الرّياح ؛ وقلت فرصة تغتنم ، وركن يستلم ، وطرقت روضة العلم عميمة الأزاهر ، فصيحة الطائر ، ريا الجداول ، باردة الضحى والأصائل ، وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر ، ملثومة الحجر ، عزيزة المقام ، معمورة المشعر الحرام ، فما شئت [ 2 ] من محاضرة تجمع بين الدنيا والآخرة ، بين يدي نثر يري [ 3 ] الإعجاز ، ونظم ما أشبه الصدور بالإعجاز ، / وحديث تقف العقول بإزائه ، وتروى بصافى مائه . فحين شمخ بالظفر أنفي ، واهتزّ لنيل الأمل عطفي ؛ والدّهر يضحك سرّا ، ويتأبّط شرّا ؛ وقد أذهلني الجذل عن سوء ظنّي به ، وأوهمني نزوعه عن ذميم مذهبه ، آلت [ 4 ] ألوانه ، وفسا ظربانه ، ونادى ليقم من قعد ، وينتبه من رقد . إنّما فترت تلك الفترة ، ليكون ما رأيت عليك حسرة وسمحت لك مرّة ، لتذوق من الأسف عليها كأسا مرّة . فرأيت وقد كان غطّي على بصري ، وعقلت وكنت في عمياء من خبري ؛ وقلت : هذا [ 5 ] الّذي أعهده من لؤمه ، وأعرفه من شؤمه ، ما وهب إلّا سلب ، ولا أعطى إلّا ساعات كإبهام القطا ؛ فيا له من قادر ما ألأم قدرته ، وذابح ما أحدّ شفرته ! ولو تسلّط علينا من يظهر إلينا شخصه [ 6 ] ، لأدركته رماحنا ، وعصفت بنا رياحنا ؛ وطاح بين موتورين منّا : قاصد أبوه قحطان ، ومقصود أبوه كسرى أنوشروان . وما ظنّك بصريخ يثوب إليه من يعرب ثائبها ، ومن بني ساسان كسرى حفّت به مرازبها ؛ لكنّه أمير من وراء سجف ، يسعى بلا رجل ويصول بلا كفّ . وهذا محلول من قول أبي الطّيّب حيث يقول [ 7 ] :
وما الموت إلّا سارق دقّ شخصه * يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
هامش
[ 1 ] النهاية : طمح . [ 2 ] النهاية : شئنا . [ 3 ] س ب : يولي . [ 4 ] ط والنهاية : أتت . [ 5 ] ط : وهو . [ 6 ] النهاية : تشخص إلينا . [ 7 ] ديوان المتنبي : 271 .
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 129 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس