أيّام غصنك ناضر ، وبدرك زاهر ، لا نجد رسولا إليك غير لحظة تخرق حجاب الدموع ، أو زفرة تقيم مناد الضلوع ؛ فإن رمنا شكوى ينفث بها مصدورنا ، أو يستريح إليها مهجورنا ، لقينا دونها أمنع سدّ ، وأفدح ردّ . وقلت : أهذا الطامع في أن يطالع القمر الطالع ، والراغب في أن يصاحب النجم الثّاقب ؟ لشدّ ما زاد ، وأبعد ما أراد ! حاول تألّف الظّبي الشارد ، وهصر الغصن المائد ، بدمعة صبّها ، وزفرة شبّها ، أما علم أنّ لحظي سهم : القلوب أغراضه ، وأنّي ظبي : النّفوس رياضه ؟ فننصرف عنك كما أتينا ، ونقف كما جرينا ، ونعود إلى نار الوجد بك نصلاها ، وديار البعد عنك لا نبرح مغناها [ 1 ] ؛ حتى إذا طفئت تلك النّيران ، وانتصف [ 2 ] منك الزّمان ، / بشعرات أغشت هلالك كسوفا ، وقلبت ديباجك صوفا ، وأعادت نهارك ليلا ، وناحت عليك تلهّفا وويلا ، وأطار حمامك غرابها ، وحجب ضياءك ضبابها ؛ فصار عرسك مأتما ، وعاد وصلك محرما [ 3 ] :
وبتّ مداما تسرّ النّزيفا * فأصبحت تجرع خلا ثقيفا
وصرت حجازا جديب المحلّ * وقد كنت للطّالب الخصب ريفا
أقبلت تنسلّ [ 4 ] إلينا لواذا ، وتطلب منا عياذا ، قد أنساك ذلّ العزل عزّ الولاية ، وأولاك طمعا [ 5 ] نسياننا [ 6 ] تلك الجناية ، أيّام ترشقنا سهام ألحاظك رشقا ، وتقتلنا سيوف ألفاظك عشقا ؛ وتميس غصنا ، فتثير حزنا ، وتطلع شمسا ، فتغيّب [ 7 ] نفسا ، خدودنا أرض نعالك ، وصدورنا حدّ مجالك ، ونفوسنا مهاد خبّك [ 8 ] ، وقلوبنا ميدان حربك ؛ فالآن نلقاك بدمع قد جفّ ، ووجد قد كفّ ، وعزاء قد أيّد [ 9 ] ، وصبر قد غار وأنجد ، وهوى قد أراح رواحله ، وأطاع عاذله ، وسلوّ قد قرّب ركائبه ، وأسعد طالبه ؛ وننظر منك إلى روض قد صوّح ، وسار قد أصبح ، وأعجم قد أفصح ، ومبهم قد صرّح ؛ فلا شكّ وقد رفع
هامش
[ 1 ] وقلت أهذا الطامع . . . مغناها : سقط من ط .
[ 2 ] النهاية : وانتصف لنا .
[ 3 ] التبيان في الشريشي 2 : 292 ( بولاق ) 5 : 68 ( أبو الفضل إبراهيم ) .
[ 4 ] النهاية : تتسلل .
[ 5 ] النهاية : طمع .
[ 6 ] س : نسيانك .
[ 7 ] ط : فتفيت ، النهاية : فتفتت .
[ 8 ] هذه قراءة تقديرية ، إذ اللفظة لم ترد في ط ، ووردت في س : بنك وحذفت بعض الجمل من النهاية ، والخب :
الخداع .
[ 9 ] النهاية : أبد .