تنائي الدّيار والمنازل ، بقادح في الأذمّة والوسائل ؛ فالكتاب [ 1 ] عوض عن الكلام ، والتّواصل بالنفوس لا بالأجسام ، وما زلت أتنسّم ذكرك ، فأترسّم قدرك ، وأسمع خبرك فأرى خبرك ، حتّى أرادت الأيام كشف السّر ، ورفع السّتر ؛ فوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم ، وباطنها لؤلؤ منظوم ، ووشي محوك وذهب مسبوك ؛ فرأيت صور الأدب باهرة المرأى والعيان ، شاهدة لك بأذلق لسان ، وأصدق بيان ، أنّك أبو عذرتها ، ومالك جملتها ، وواحد فنونها ، ووارد معينها ، وقادمة جناحها ، وصبا رياحها ، فسألت سؤال العالم ، وبحثت بحث اليقظان المتغافل ، وادّعيت الحيرة وأنت أهدى في تلك الفلا ، من فارط القطا [ 2 ] ، لتعلم أين المخطئ والمصيب ، وكيف الجواب والمجيب ؛ واللّه يوفّق من المراجعة لما يرضيك ، ويكون وفق أمانيك ، وما أجهل أنّي على نفسي أبتهل بهذا الدعاء ، لمن أسرّ حسوا في ارتغاء [ 3 ] .
/ فأوّل ما قدمت في كتابك ما يقدّمه ذو الفضل والنبل في الثّناء على بلدنا وأهله ، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم ، وتباين درجاتهم ، من آرائهم التي نحوها ، وعلومهم التي وعوها ، بأوفر الأقسام ، واحتلالهم من ذلك بالغارب والسّنام ؛ حتى عارض الجبان الأسد ، وناطح الجوزاء الجلمد ، وناطق الأعجم الفصيح ، وبارى [ 4 ] الجاهل العالم ، وجارى القاعد القائم ، تحاسدا على الفضائل . هذا معنى كلامك لم أورد ألفاظه ، وإن أصميت أغراضه ، إشفاقا من أن أفضح كلامي به ، وأدلّ على قصور آلتي بمجتلبه ، فأكون كمن جمع بين الشّبه والذهب ، وقرن الدرّ إلى المخشلب ؛ ثمّ قلت : إنّ ذكر الفتى عمره الثّاني [ 5 ] ، والميّت المجهول لا الفاني ؛ فكم من هالك آثاره كاشفة عيانه ، وواصفة قدره وشانه ، وحيّ أثوابه كفنه ، وجهله جننه [ 6 ] . وهؤلاء الذين أنضيت في وصفهم جياد مدحك ، وهتكت ظلامهم بغرّة صبحك ، على غير هذا الرّأي مقيمون ، وبخلاف هذا المذهب قائلون . فولّيت في حيّز وعزلت ، وارتفعت في حال ونزلت ،
هامش
[ 1 ] ط : فالكتب .
[ 2 ] فارط القطا : المتقدم منها نحو الورد .
[ 3 ] هذا مثل ، انظر فصل المقال : 76 ، والميداني 2 : 251 .
[ 4 ] س : وماري .
[ 5 ] ناظر إلى قول المتنبي ( ديوانه : 505 ) :ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته * ما قاته وفضول العيش أشغال[ 6 ] الجنن : القبر .