تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
قلت أنا : وقد أخرجت من رسائله العميدية ، وقصائده اللبيدية ، ومما جرى بينه وبين ابن عمّه ما يسحر الألباب ، ويبهر الشعراء والكتّاب .

جملة من رسائله في أوصاف شتّى

كتب إليه أبو عليّ بن الرّبيب القرويّ رقعة يقول فيها [ 1 ] : إني فكّرت في بلدكم أهل الأندلس إذ كان [ 2 ] قرارة كل فضل ، ومقصد كلّ طرفة ، ومورد كلّ تحفة ، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب ، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق ، مع كثرة علمائه ، ووفور أدبائه ، وجلالة ملوكه ، ومحبّتهم للعلم / وأهله ، ورفعهم من رفعه أدبه ، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب يقدّمون من قدّمته شجاعته ، وعظمت في الحروب نكايته ؛ فشجع عندكم بذلك الجبان ، وأقدم الهيّبان ، ونبه الخامل ، وعلم الجاهل ، ونطق العييّ [ 3 ] ، وشعر البكيّ ، واستنسر البغاث ، وتثعبن الحفّاث [ 4 ] ، وتنافس الناس في العلوم . ثمّ هم مع ذلك في غاية التّقصير ونهاية التّفريط ، من أجل أنّ علماء الأمصار دوّنوا فضائل أعيانهم وقلّدوا الكتب مآثر أقطارهم ، وأخبار الملوك والأمراء ، والكتّاب والوزراء ، والقضاة والعلماء ، فأبقوا لهم ذكرا في الغابرين ، ولسان صدق في الآخرين ؛ وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم ، كلّ امرئ منهم قائم في ظلّه لا يبرح ، وثابت [ 5 ] على كعبه لا يتزحزح ؛ يخاف إن صنّف أن يعنّف [ 6 ] أو تخطّفه الطّير أو تهوي به الرّيح في مكان سحيق [ 7 ] ، ولم يتعب نفسا أحد منهم في مفاخر بلده ، ولم يستعمل نقسا في فضائل ملوكه ، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه ، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته
هامش
[ 1 ] انظر : النفح 3 : 156 ، وأبو علي ابن الربيب القروي لعله الحسن بن محمد التميمي التاهرتي الأصل ، كان عارفا بالأدب وعلم النسب قوي الكلام يتكلفه بعض التكلف ، وكان عبد الكريم النهشلي يعده شاعرا متقدما ( انظر : المسالك 11 : 319 نقلا عن الأنموذج ) . [ 2 ] النفح : بلادكم إذ كانت ؛ ط : بلادكم . ( ويتلو ذلك في النفح : علمائها ، أدبائها . . الخ ) . [ 3 ] س : الخارس . [ 4 ] تثعبن الحفاث : اتخذ هيئة الثعبان ، والحفاث : حيوان كالثعبان يفح فحيحه ويثب مثل وثبه ، ولكنه غير مؤذ ( الحيوان 6 : 33 ، 345 ) . [ 5 ] النفح : وراتب . [ 6 ] زاد في النفح : وإن ألف أن يخالف ولا يؤالف . [ 7 ] ناظر إلى الآية : 31 من سورة الحج .