المنصفين ، وسلكت سبيل المحسنين ، فقد قيل : إنّ الشّكر وإن قلّ ، ثمن لكلّ نوال وإن جلّ ؛ كما قيل : إنّ المنّة تفسد الصّنيعة . ولو [ 1 ] نظرت في أخبار الماضين ، وكشفت عن سير الأوّلين ، لوجدت ملوك الأمم على قديم [ 2 ] الزّمان قد تعاملت بالتّعاون ، وتواصت بالتّرافد ، وإن شحطت ديارها ، واختلفت أديانها ؛ وجعلت ذلك بينها حقوقا تقضى ، وفروضا تؤدّى ، فالدّهر أطوار ، والأيام دول . وقد علمت أنّ الذي سامحتنا فيه لم تقدم إليه إلّا على شروط اشترطتها ، وأطماع استدعيتها ، فقضيناك كلّ ما ملكناه ، ولم نمطلك بشيء أدركناه . وذكرت أنّك فعلت بنا ما فعلت دون معرفة تقدّمت ، ولا صحبة سلفت ، ولو هربت عن هذا الجفاء دهرك ، وأنفقت في السّلامة من هذا الخطل عمرك ، لكنت لنفسك ناظرا [ 3 ] ، وفي صفقتك تاجرا ؛ فإن كنت أردت معرفة العيّ ، كفى بذلك عيّا من القول ، وزللا من الرّأي . وإن قلت إنّك لم تعرف مكاننا من الخلافة ، / ووراثتنا الإمامة ، عن أسلافنا الماضين ، وأجدادنا الأقربين ، وجهلت أنّنا في نصابها وذروتها ، وأقعد الناس بها وأقواهم عليها ، فقد كابرت العيان ، ودافعت البرهان .
[ وله عنه في معنى الرّعيّة : إن اللّه تعالى قلّدني من رعاية عباده ، وحمّلني من سياسة خلقه ، وعصب بي من تدبير أمورهم وإصلاح شؤونهم ، وألزمني من النّظر لهم ، والعمل بما يصلحهم ، ما لا حول لي فيه ولا قوّة عليه إلّا بعونه وتأييده ، ولا هداية إلّا بتوفيقه وتسديده . وإنّ الرّعيّة من السّلطان ، بمكان الأشباح من الأرواح ، صلاحهما وفسادهما متّصلان ، ونماؤهما ونقصانهما منتظمان ، إذ كانت الرّعية عنصر المال ، ومادّة الجباية ، بها قوام الملك ، وعزّ السّلطان ، ورزق الأجناد ، التي بها يقاتل العدوّ وينصر الدّين ، وتحمى الحرم . ولما تأمّلت أحوال أهل عملك من كورة جيّان وذواتها ، وحصّلت ما يلزمهم أداؤه هذا العام من الطّعام في العشور الواجبات ، تكنّفهم من شفقتي ، وأحاط بهم من عواطفي ، ما أدّى إلى رفع مئونة طعامهم ، وإعفائهم مما يلحقهم فيه من العنت ، ويرجع عليهم من الدّرك ، وكلف الحمولة إلى الأهراء ، وما يتبع ذلك من الانتقاص ، ويتّصل بالكيل من التّطفيف ، وتسقط التّبعات ، ويخفّ الثّقل . فانظر عندما يرد كتابي في توزيع ما يجب على أهل عملك من النّاضّ عن كذا وكذا من القمح والشّعير ، حساب كلّ
هامش
[ 1 ] تبدأ الرسالة في ط من هنا .
[ 2 ] ط : قدم .
[ 3 ] س : ناصرا .