وله عنه إلى منذر بن يحيى [ 1 ] : وأمّا أمر عليّ بن حمّود فعلى ما أعلمناك به من الضّعف والوهن ، وإنّما يطمع في من عندنا واللّه يبطل طمعه ، وقد أوحشنا بطء أخبارك عنّا ، وإن كنّا لا نشكّ في أنّك على جميع ما تصرّفت به ، وفي كلّ ما تقلّبت فيه ، كما نحبه ونهواه ، فذاك حظّك منّا ، وموقعك من ثقتنا ، وعلى ذلك فإن بواعث الإشفاق جمّة ، وعوارض التّوقّي كثيرة ، وقد توالت المحن ، وطالت الفتن ، ونجم النّفاق ، وشاع الخلاف ( بين ) أهواء أوليائنا .
وله من أخرى إلى ابن صمادح : وإنّ للبغي مصارع لا تعدو أهله ، وللنكث عواقب لا تخطي معتقده ، وقد علمت الكافّة ما أولاه أمير المؤمنين فلانا من إحسانه ، وأفاضه عليه من معروفه ، فرفعه من الحضيض ، وانتعشه عند الجريض ، ونوّه به بعد الخمول ، وكثّره وهو قليل ، فلم يشكر للّه نعمة ، ولا وفى له بذمّة ، وظلّ يبني الغدرة على غير أسّ [ 117 ] فخرّ بناؤه ، وانتضل في الرّميات في غير هدف فصافت [ 2 ] سهامه ، / وأصحابه يتساقطون علينا في كلّ حين أفواجا ، ويتتابعون إلينا نزّاعا أرسالا ، لما يبدو من ضعف آرائه ، وخبث مذاهبه ، وقبح غدره ، وتناكث أمره ، حتّى اتّسع عليه الخرق ، وأعضله الفتق ، واستنفر له وجه الخلائق ، وأسلمه غرور الشّيطان ، فأصبح نادما سادما ، وأمسى حائرا بائرا ، ونكال اللّه تعالى نازل به ، وسخطه منزّل عليه ، وبأسه منصرف إليه .
وفي فصل من أخرى : أنالك في فلتات تحجب حسن الظّنّ بمن أسبغت عليه النّعمة ، ووجبت لربّه الحجّة في أداء النّصيحة . وقد اندرجت في أثناء هذه الفتنة خطوب استعمل فيها أمير المؤمنين الثّقة بمن لم يتّق اللّه في النّصيحة له ولرسوله عليه السّلام ولخليفته ولجماعة المسلمين ، ولم تصدق نيّته ولم يصحّ خبره ، ولا رأي لمكذوب .
فأوطأه عشوة ، وزخرف له كذبة على إثر كذبة ، ومنّى الأماني ، وقرّب المواعيد ، ونمّق الزّور ، ولبّس الأمور ، وأمير المسلمين يوجس الخيفة ، ويخشى الخديعة ، ويرى أعلام الرّيبة ، حتّى وضح الفجر ، وصرّح عن زبدته المحض ، وليس هو بأوّل من أحسن فضاع إحسانه ، واصطنع فسقطت صنائعه . وفي فضل اللّه عوض من كلّ فائت ، وفي جزائه خلف من كلّ ضائع ، وفي إقبال رحمته غنى عن كلّ مدبر ، وللأيّام عقب تديل الكره بالرّضى ، وتنسخ الشّدة بالرّخا .
هامش
[ 1 ] انظر التعليق : 1 ، ص : 108 إذ كان منذر ممن والوا المستعين ونبذوا خلافة هشام المؤيد .
[ 2 ] صاف السهم : حاد عن الهدف .