تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
قدّمت والتزمت ، وحسبما ضمنت ونظّمت . قال ابن حيّان : لم يكن لعيسى بن سعيد مأثرة سلف ، ولا بيت تقدّم ، خلا أنّه [ كان ] عربي النّجار ، من قوم يعرفون ببني الجزيريّ من كورة باغة [ 1 ] . وكان أبوه معلّما ، فاختلف عيسى إلى الدّيوان ، وصحب / محمّد بن أبي عامر وقت حركته في دولة الحكم ؛ فبلغ به المنازل الجليلة ، وكان عنده مشهورا بيمن النّقيبة ، وأخباره معه كثيرة . وتبحبح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك ، فتناهى في الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعا ودورا ، فات الناس إحصاؤها ، واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه . وكان لهم مع ذلك في سائر أعمال السّلطان نصيب ، وعلى كلّ عامل وظيف ، ولم ينفّذ توقيع إلّا بأمره ، ولا تمّ أمر إلّا بمشورته . وكثر أعداء عيسى لوقته ؛ فاحترس منهم جهده ، وتيقّظ في حراسة نفسه ، ووالى كثيرا من وجوه أهل الدّولة ، تصاهر لهم ببنيه وبناته ، فسمت جماعته ، ثمّ تصاهر أخيرا إلى ابن أبي عامر ، والذّكر من عنده ، زوّج ابنه المكني أبا [ 2 ] عامر أخت عبد الملك الصغرى من بنات المنصور ، فتمّت تلك المصاهرة في سنة ست وتسعين وثلاثمائة ، وكانت وليمة عظيمة . وتناهت بعد أمور عيسى في الجلالة ، وأخذته الألسنة . واتّفق أيضا عليه أنّ عبد الرحمن بن المنصور انبسط على أخيه عبد الملك في أوّل دولته بصحبة طائفة تخلّ به ، فعرّف عيسى أخاه عبد الملك بذلك ؛ فحمله على كفّ [ 3 ] عبد الرحمن عنه ، فحقد على عيسى ورصد السّعي عليه ، واستفسد أيضا السّيّدة « الذّلفاء » أمّ عبد الملك وأساء إلى صنيعتها « خيال » أمّ ولده ، والغالبة كانت عليه ، ومن يتّصل بهما بسبب نكاح عبد الملك بنت الجنّان مولاته [ 4 ] ، كانت قد تأدّبت بأدب / أهله ، وأخذت الغناء من محسنات قيانه ، فنظرها عبد الملك يوما فراعته ، وهان عليه لفرط عفّته زواجها ، فأنكرت عليه ذلك والدته ، فاستراح في الأمر مع عيسى فصوّبه له وأمضاه .
هامش
[ 1 ] باغة ( أو بيغه كما في س ) :Priegoتعد من ولاية قرطبة وتقع بينها وبين غرناطة ( انظر : الروض المعطار : 76 من الترجمة الفرنسية ) . [ 2 ] ط : بأبي . [ 3 ] س : كف يد . [ 4 ] بنت الجنان هذه اسمها « واجد » وقد ذكر ابن حزم كلف عبد الملك المظفر بها ثم زواجه منها في طوق الحمامة ( رسائل ابن حزم 1 : 92 ) ثم ذكر في نقط العروس ( رسائل ابن حزم 2 : 70 ) أن عبد الرحمن بن أبي عامر هو الذي تزوج بها ، وهذا الخبر الثاني من قبيل السهو ، والأول متفق مع ما قاله ابن حيان .