مدى من القمح ستّة دنانير ، ومن الشّعير ثلاثة ؛ وأشمل بتوزيعها النّاس كافة ، غير محاش منهم أحدا . وليكن ذلك على العدل ، وتحرّي الحقّ ، واعتماد الصّدق ، بمشاهدة قاضي الجهة ، وموافقة شيوخ الرّعيّة ووجوهها ، وأهل المعرفة بمواقع وظائفها ، إن شاء اللّه ] .
/ وله من أخرى ، عن المظفّر بن أبي عامر ، حين قتل عيسى بن سعيد القطّاع وزيره : أيّها النّاس - وفّقكم اللّه لعصمته ، واستنقذكم برحمته - إنّ من علم منكم حال الخائن عيس بن سيد بالمشاهدة ، ورأى مبلغ النّعمة عليه بالمحاضرة ، فقد اكتفى بما شهد ، واجتزأ بما عاين وحضر ؛ ومن غاب عنه كنه ذلك من عوامّكم بانتزاح منزل أو لاتّصال شغل ، فليعلم [ 1 ] أنّا أخذناه من الحضيض الأوهد ، وانتشلناه من شظف العيش الأنكد ، فرفعنا خسيسته ، وأتممنا نقيصته ، وخوّلناه صنوف الأموال ، وصيّرنا حاله فوق الأحوال ؛ فدلّله بذلك المنصور مولاي رضي اللّه عنه ، فاعتمدته ومهّدت له فرش الكرامة ، وبوّأته دار الفخامة ، وأسبغت من نعمي عليه ، ما أحوج الخاصة والعامّة إليه ، فلم يقم للّه تعالى بحقّ ، ولا قابل إحسانه بصدق ، ولا عامل رعيّتنا [ 2 ] برفق ، ولا تناول خدمتنا [ 3 ] بحذق ؛ بل أعلن بالمعاصي ، واستذلّ الأعزّة وذوي الهيئات والمروءات ، ونافرهم وأنس بأضدادهم ، ونبذ عهودنا ، وخالف سبلنا ، وكدّر على النّاس صفونا ؛ حتّى إذا ملكه الأشر ، وتناهى به البطر ، وغلت به الأمور ، وغرّه باللّه الغرور ، حاول شقّ عصا الأمّة ، وهدّ ركن الخلافة والأمانة ، بما احتجن من حرام المال ، واستمال من طغام الرّجال ؛ فحجّته نعمنا عنده ، وخصمته عوارفنا لديه ، وكشف لنا سرّ نيته ، حتّى صرعه بغيه ، وأسلمه غدره ، وأخذه اللّه بما اجترم [ 4 ] ، وأوبقه بما اكتسب ، فأعجلناه عن تدبيره ، وصار إلى نار اللّه وسعيره [ 5 ] .
/ قوله : « فحجّته نعمنا عنده ، وخصمته عوارفنا لديه » محلول من قول أبي تمّام حيث يقول [ 6 ] :
أألبس هجر القول من لو هجوته * إذن لهجاني عنه معروفه عندي
هامش
[ 1 ] من هنا نقل في المسالك 13 : 52 .
[ 2 ] المسالك : وديعته الرعية .
[ 3 ] المسالك : فريضة اللّه عليه خدمتنا .
[ 4 ] س والمسالك : اجترح .
[ 5 ] المسالك : وصار إلى سقر وسعيره .
[ 6 ] ديوان أبي تمام 2 : 115 .