ورقاعة عند نشواته كالتّنوخيّ « 1 » والمهلبيّ . وكان هو وأبو عامر ابن شهيد « 2 » وأبو الوليد هذا ، قد اغتدوا ثلاثتهم كنديم ، وكأنّما قدّوا شطارة وانهتاكا من أديم ، يتبايتون على الرّاح ، ويتهافتون إلى الأقداح ، ويطّرحون التّماسك أيّما اطّراح ، فإذا أصبحوا ، بكر أبو بكر إلى مصادرة ما يتّجه عليه الحكم ومواجهته ، وأنكر ما كان عليه في ليله من فكاهته ، فكأنّما في بردتيه الأنام ، وكأنّه وقارا يذبل « 3 » أو شمام ، مع عدله في قضائه ، وإنفاذه الحكم بمقتضى الحقّ وإمضائه ، حتّى إذا راح الرّواح ، عادوا إلى ذلك القصف ، وتجاوزوا في ابتذالهم فيه كلّ وصف .
فعمروا ذلك المضمار زمانا ونثروا فيه الأعمار وهم يحسبون أنّهم ينظمونها جمانا ، إلى أن اختلس أبو بكر منهما / ، وتقلّص ظلّ مؤانسته عنهما ، فاعتاضا عنه بسواه ، وأفاضا فيما كانا فيه وما تعدّياه .
واتّفق أن مرّ يوما بقبره في لمّة من إخوانه ، وجماعة من عمّار ميدانه ، فعطفوا عليه مسلّمين ، ووقفوا عليه متألّمين ، فقال أبو الوليد « 4 » :
( كامل )
[ - قصيدة لأبي الوليد وقد وقف على قبر أبي بكر بن ذكوان ]
ما أقبح الدّنيا خلاف مودّع * غنيت به في حسنها تختال
يا قبره العطر الثّرى لا يبعدن * حلو من الفتيان فيك حلال
هامش
( 1 ) القاضي التنوخي ، أبو القاسم ، علي بن محمد بن داود أبي الفهم ، ويحكى أنه كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة ، وهم : ابن قريعة ، وابن معروف ، والقاضي التنوخي ، وغيرهم . ( يتيمة الدهر : 2 / 336 ، ابن خلكان : 4 / 159 ) .
( 2 ) هو أبو عامر أحمد بن أبي مروان بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي ، ذكره ابن بسّام في الذخيرة وبالغ في الثناء عليه ، له التصانيف البديعة . ( الجذوة : 124 ، والبغية رقم : 437 ، والذخيرة : 1 / 1 / 191 ، والمغرب : 1 / 78 ، واليتيمة : 2 / 38 ) .
( 3 ) يذبل وشمام : جبلان مشهوران لباهلة . ( معجم البلدان : 5 / 433 ، 3 / 361 ) .
( 4 ) انظر القصيدة كاملة : الديوان : 530 - 538 .