فساروا حتى دخلوا على عمرو بن أمامة ، وهو ابن المنذر . فقال لهم : أين قيس ؟
فقالوا : إنه انكشح . فأخبر عمرو أمّه بذلك ، فقالت : قد تخلف عنك فارس القوم ، فابعث بطبيب يكويه ، فإن وجد للكي وجعا فليس هو بمكشوح ، وإن لم يجد وجعا فهو مكشوح .
فبعث إليه طبيبا ، فلمّا وصل إليه الطّبيب شرب قيس المغرة « 49 » ، وجعل يقيئها كأنها دم . وكان أوّل [ من فعل ] « 50 » ذلك من العرب . فعمد إليه الطبيب ، فجعل يكويه ، وقيس يقول : ويحك أنضج الكيّ ، فلم أجد لمكاويك أساة « 51 » .
فرجع الطبيب إليه ، فأخبره ، فقال : مالي أراني وصارت إليك حنى مات « 52 » .
وعمد قيس إلى عصابة ، فشدّ بها بطنه ، ثم خرج إلى خيل قومه ، والملك بموضع يقال له قضيب ، وهو نهر بمراد . فدخلت أمامة إلى ابنها فقالت : يا عمرو ، إني لأجد ريح الحديد . فقال : ليس هذا بشيء ، فقالت : إني لأجد صهيل الخيل . قال : هذا من عسكري .
فبينما هي كذلك إذ مرّت بها أسراب القطا ، فقالت : يا عمرو ، لو ترك القطا لنام .
فذهبت مثلا .
فلم يلبث إلّا والصّيحة في عسكره ، فخرج عمرو ، فقام في الناس ، فاقتتلوا أشدّ القتال . فلمّا بلغ عمرا الجهد أنشأ يقول :
كل امرئ مقاتل عن طوقه * كالثور يحمي جلده بروقه
لمّا رأيت الموت قبل ذوقه * أتى الجبان حتفه من فوقه
فقعقعت الخيل ، وقيس على الخيل ، فكشفها حتى وصل إلى الملك ، فضربه ضربتين ، فقتله . وأسرع القتل في عسكره ، فاستبيح .
هامش
( 49 ) المغرة : طين أحمر يصبغ به .
( 50 ) ما بين المعقوفتين إضافة يقتضيها السياق .
( 51 ) أساه يأسوه : عالجه وداواه .
( 52 ) كذا في الأصول ، ولعل الصواب : ما أراها صارت إليك حتى مات .