جولة ، ثم نادى مالك بن فهم : يا آل الأزد ، يا آل الأزد . فثابوا واجتمعوا إليه من كلّ فجّ ، فحمل بهم على العجم حملة ، فكشفهم . ثم نادى : يا معشر الأزد ، اقصدوا لواءهم ، فاكتنفوه نصفين ، قبل أن يدهمكم العجم ، فتكتنفكم من كل وجه .
فحمل مالك ، وحمل معه أولاده في كافّة فرسان الأزد وأبطالهم حملة واحدة ، فاكتنفوا لواء العجم ، واختلط الضرب ، والتحم القتال ، وارتفع الغبار ، وثار العجاج حتى حجب الشّمس ، ولم يكن يسمع إلّا صليل الحديد ، ووقع السيوف . فتراموا بالسّهام حتى تقصّدت ، وتطاعنوا بالرّماح حتى تكسّرت ، وتضاربوا بالسيوف وأعمدة الحديد ، وصبروا صبرا لم يسمع السامعون بمثله ، حتى اختضبت الفرسان بالدّماء ، وكثرت بينهم القتلى والجرحى ، فكان ذلك كأشد ما يكون . ثم لم يكن للفرس ثبات ، فولّوا منهزمين على وجوههم ، واتّبعهم هناءة بن مالك في إخوته ، وسرعان « 55 » الأزد ، فجعلوا يقتلون ويأسرون ، من لحقوا ، إلى أن قتلوا منهم خلقا كثيرا . ولحق فراهيد بن مالك اسفنديار بن مرزبان ، وكان من أعظم قوّادهم ، فطعنه فأرداه عن فرسه ، ثم علاه بالسيف فقتله . ولحق معن بن مالك خمارجور بن مرزبان ، وكان على ميمنة العجم ، فضربه معن بالسيف ، فلم تصنع ضربته شيئا ، وطعنه نوبي « 56 » بن مالك ، فأرداه عن فرسه ، ثم علاه بالسيف فقتله .
وسارت فرسان الأزد ومن خفّ من أبطالهم ، على آثار العجم . لا يلوون على سلب ولا غيره ، يومهم ذلك كله ، يقتلون ويأسرون ، حتى حال بينهم الليل ، فما أفلت منهم إلا من ستره الليل ، فتحمّل من بقي منهم من تحت ليلته ، وركبوا في السّفن ، وعبروا إلى أرض فارس ، وأجلوا من عمان . واستولى مالك بن فهم الأزدي ، في كافّة أصحابه وقومه من الأزد على سوادهم ، واستباحهم وغنم أموالهم ، وأسر منهم خلقا كثيرا ، فمكثوا في السّجون زمانا ، ثم أطلقهم ومنّ عليهم بأرواحهم ، وكساهم ووصلهم وزوّدهم وحملهم في السّفن إلى أرض فارس .
هامش
( 55 ) سرعان القوم : أوائلهم المستبقون إلى الأمر . ( اللسان ) .
( 56 ) في جمهرة ابن حزم 379 : نوّى .