تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنساب — صفحة 697

مساهمون:

ص٦٩٧
فلمّا انتهوا إلى مكة ، وأهلها جرهم قد قهروا النّاس ، وحازوا ولاية البيت ، على بني إسماعيل وغيرهم ، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر : يا قوم ، إنّا خرجنا من بلادنا ، فلم ننزل بلدا إلّا خرج أهله لنا ، وتزحزحوا عنّا ، فنقيم معهم ، حتى نرسل روّادنا فيرتادون لنا بلدا يحملنا ، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم ، قدر ما نستريح ، ونرسل روّادنا إلى الشّام والشّرق ، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به ، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا . فأبت جرهم إباء شديدا ، واستكبروا في أنفسهم ، وقالوا : واللّه ، ما نحبّ أن تنزلوا معنا ، فتضيّقوا علينا مراتعنا ومواردنا ، فارحلوا عنّا حيث شئتم ، فلا حاجة لنا في جواركم . فقال مضاض بن عمرو الجرهمي لقومه : يا قوم ، إنّي لأحسب القوم سيظهرون عليكم ببغيكم في حرم ربّكم ، وركوبكم ما نهاكم عنه ، وقلّة رجوعكم عمّا أنتم عليه ، وإيّاكم وسفك الدّماء في الحرم . فأبت عليه جرهم ، فاعتزلهم . فلمّا وصل جوابهم إلى ثعلبة بن عمرو أرسل إليهم : أنّه لا بدّ من المقام بهذا البلد حولا ، حتى ترجع إليّ رسلي الذي أرسلت ، فإن تركتموني طوعا نزلت وحمدتكم ، وواسيتكم في المرعى والماء ، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ، ولم ترعوا إلّا فضلا ، ولم تشربوا إلا رنقا والرّنق : الكدر في الماء - وإن قاتلتموني قاتلتكم ، ثم إن ظهرت عليكم قتلت الرّجال وسبيت النساء ، ولم أترك أحدا منكم ينزل الحرم أبدا . فأبت جرهم أن تتركه طوعا . وإنّ جرهم ، لمّا اعتزلهم مضاض بن عمرو ولّت أمرها رجلا يقال له مظعون ، وتعبّأت لقتال الأزد ، فحاربتهم الأزد ، فاقتتلوا ثلاثة أيّام ، فقتلت الأزد مظعونا ، ثم انهزمت جرهم ، فلم يفلت منهم إلّا الشّريد ، وأجلت الأزد جرهما عن مكة ، فنزلت فرقة منهم وادي إضم ، فسلّط اللّه عليهم الذّرّ ، فأفناهم . . ثم أتاهم سيل إضم ليلا فأبادهم واكتسحهم . في حديث طويل اختصرناه حذر الإطالة . ولحقت فرقة منهم باليمن ، وكان مضاض بن عمرو قد اعتزل عن جرهم ، ولم يعن جرهم في ذلك وقال : قد كنت أحذّركم هذا .
الأنساب — صفحة 697 | سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري