العدل الديّان بالقسط الذي لا يجور . فقال يزيد : اضربوا أعناقهما . فنظر المهلّب إلى سيف السيّاف ، وقد علا رأسه ، ملطّخا بالدّماء ، فقال له : امسح سيفك من الدّم ، قبّحك اللّه ولعن من أمرك ، فإنه أسرع له . فأهوى السيّاف لمسح سيفه ، ونظر المهلّب إلى أخيه ، فإذا عينه قد دمعت ، فعضّ على شفتيه كالزّاجر له ، فقال يزيد : قاتلكم اللّه ، صغارا وكبارا ، ما أشجعكم ، ثم قتلا . فقالت فاطمة بنت المهلّب في ذلك :
فإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
هم ساعد الدّهر الذي يتّقى به * وما خير كفّ لم تؤيّد بساعد
أسود شرى لاقت أسود ضربة « 53 » * تساقوا على لوح دماء الأساود « 54 »
قال : وقدمت هند بنت المهلّب إلى يزيد تسأله فيمن بقي من أهل بيتها ، وكانت موافاتها من العراق « 55 » عشيّة اليوم الذي قتل فيه آل المهلّب ، فبعث إليها مسلمة يخطبها ، ورسوله إليها رجل يقال له سيّاف ، فلمّا بلّغها الرّسالة قالت له : كفؤ كريم ، ولكن أيأمنني مسلمة وقد قتل إخوتي ، واللّه لو أنّ مسلمة أعاد فيهم الرّوح ما طابت نفسي بتزوّجه ، وقد كنت أحسب أنّ لمسلمة عقلا .
فانطلق الرّسول إلى مسلمة ، فأخبره بمقالتها . فقال : واللّه صدقت ابنة المهلّب ، وما كان إرسالي إليها إلّا هفوة . ثم أقبل على من حضره من أصحابه فقال : كنت أحسب أنّ الشجاعة في رجالهم ، فإذا هي في رجالهم ونسائهم جميعا .
هامش
( 53 ) في الأصول : خفية ، فرجحت أنها ضرية ، وهي قريبة من فلج . وأرجح أن ( الذي ) في البيت الأول محرفة عن ( الألى ) لأن الذي مفرد وهو يتحدث عن جماعة .
( 54 ) نسبت الأبيات الثلاثة في ( ب ) و ( ج ) إلى فاطمة بنت المهلب ، وفي ( أ ) نسب البيت الأول إليها ثم نسب البيتان الآخران إلى غيرها بدون ذكر اسمه ، والأبيات ليست لفاطمة بنت المهلب وإنما للأشهب بن رميلة ، ولم يقتل بنو المهلب بفلج وإنما في الشام ، وفلج : واد بين البصرة وحمى ضرية .
( انظر معجم ياقوت : فلج ) . وترجمة الأشهب في الأغاني 9 / 269 .
( 55 ) في الأصول : من الشام ، ولم تفد هند من الشام بل من العراق ، وكانت قبل عند الحجاج بن يوسف ثم طلقها .