تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنساب — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
أتى دون أبصار الرّجال نعيّه * بمثل العمى والسّمع حالفه وقر
وقد مادت الأرضون حتى كأنما * بكته الجبال الصّمّ وانصدع الصّخر
أترجون أن تغزى سمرقند بعده * وأعلى طخارستان أو يقطع النهر
ومن دون أن ينشأ بأرض سناؤها * من القصر أشراط القيامة والحشر
ولو جعل اللّه أحدا يأخذ نصف أحوال المهلّب ، وخصاله الكريمة ، لم يقدر أن يحوي شيئا من ذلك ، لأنه ليس من كتاب ألّف بعده ، في أي جنس كان من العلوم ، إلّا وقع فيه من أخبار المهلّب وأحكامه وبلاغته وسياسته وجوده . ولقد وصفه ابن الكلبي فأحسن واختصر فأحكم ، وذلك أن ابن الكلبي جلس مع خالد بن عبد اللّه القسري ، فتذاكرا أمر السؤدد ، فقال ابن الكلبيّ : أيّها الأمير ، ما تعدّون السّودد ؟ قال في الجاهلية فالرئاسة ، وأمّا في الإسلام فالسياسة ، وخير ذا وذلك التّقوى . فقال : صدقت ، وكان أبي يقول : لا يدرك الشرف إلّا بالعقل ، ولا يدرك الآخر إلّا بما أدرك الأوّل . فقال له خالد : صدق أبوك : ساد الأحنف بحلمه ، وساد مالك بن مسمع بمحبّة العشيرة له ، وساد قتيبة بدهائه ، وساد المهلّب بهذه الخلال كلّها ، إلى ما زاد فيها من الكرم والشجاعة والحزم والعفة والعلم . قال ابن الكلبي : صدقت ، كان المهلّب أبقى الناس للناس وخيرهم لنفسه وذلك أنه إذ كان كذلك أبقى على روحه من السّرق لئلّا يقطع ، ومن القتل لئلّا يقاد منه ، ومن الزّنى لئلّا يجلد ، فسلم الناس منه لإبقائه على نفسه . قال له خالد : فهذه الخلال كانت في المهلّب .

خبر ولد المهلّب وما كان من شأنهم بعده

قال : وكان المهلّب ، لما حضرته الوفاة ، قد استخلف ابنه يزيد على خراسان ، وهو ابن ثلاثين سنة ، فأقرّه عبد الملك على ما ولّاه المهلّب . ثم إنّ الحجّاج بعث على عزله ، فلم يقدر على ذلك ، لمعرفة عبد الملك بحسد الحجّاج للمهلّب وولده . فلمّا مات عبد الملك ( وولّى ابنه الوليد بعده ، زاد في محبّة
الأنساب — صفحة 644 | سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري