أحوالهم . قال : هم حماة السّرح نهارا ، فإذا الليل أليل ففرسان البيات « 13 » . قال : فأيّهم كان أنجد ؟ قال : كانوا كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفها . قال : فكيف كان لكم المهلّب وكيف كنتم له ؟ قال : كان لنا منه شفقة الوالد ، وله منّا برّ الولد . قال :
فأعجب الحجّاج ببلاغته وجوابه عن جميع ما سأله عنه . فقال له : أكنت أعددت هذا الكلام ؟ قال : أيّها الأمير ، أكنت مطّلعا على ضميرك حتى أعلم ما تسألني عنه ، فأعتد له جوابا ؟ لا يعلم الغيب إلّا اللّه ، وإنّما جوابي على قدر سؤال الأمير ، أعزّه اللّه . قال له الحجّاج : للّه درّك ، مثلك يوفد إلى الملوك ، فالمهلّب كان أعلم بك حين وجّهك . وأمر له بصلة سنيّة . وقال : هذا واللّه هو الكلام المخلوق ، لا ما يضع الناس « 14 » .
ولمّا قدم المهلّب على الحجّاج بعد الفتح أجلسه معه على السّرير ، وأظهر إكرامه وبرّه ، وقال : يا أهل العراق ، أنتم عبيد المهلّب . ثم قال له :
أنت يا أبا سعيد كما قال لقيط الإياديّ :
وقلّدوا أمركم اللّه درّكم * رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا
فقام إليه رجل فقال : أصلح اللّه الأمير ، واللّه لكأني أسمع الساعة قطريا وهو يقول :
المهلّب كما قال لقيط الإياديّ . ثم أنشد الشعر . فسرّ الحجّاج حتى امتلأ سرورا .
الشعر :
ما زال يحلب هذا الدّهر أشطره * يكون متّبعا طورا ومتّبعا
حتى استمرّت على شزر مريرته * مستحكم السنّ لا قحما ولا ضرعا « 15 »
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده * ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
وقال المغيرة بن حبناء الحنظلي :
هامش
( 13 ) في الأصول : الثبات ، والصواب من الكامل للمبرد 3 / 1348 .
( 14 ) خبر كعب بن معدان والحجاج في الكامل للمبرد 3 / 1347 وما بعدها .
( 15 ) هذه رواية الأغاني 22 / 356 - 358 ، ورواية الأصول :حتى استتم على شزر مريرته * مستحكم الرأي لا ريا ولا ضرعاالقحم : الشيخ العجوز الفاني . الضرع : الضعيف المستكين .