فلمّا رأوه قالوا : هذا ضيف قد نزل بكم ، فبعثوا إليه بعسّ من لبن ، فسقى ناقته ، ثم بعثوا إليه بعسّ آخر ، فشرب منه ، ثم سقى منه ناقته ، ثم عمد إلى صرّتين ، فجعل في إحداهما ترابا وفي الأخرى شوكا ، وألقاهما في مجلس الأحوص بن جعفر ، وولّى راجعا ، ولم يتكلّم بشيء ، حتى أتى قومه ، وإنّما غاب عنهم ليلة . فانطلق القوم من بني عامر بالصرّتين حتى أتوا بهما الأحوص ؛ وأخبروه بخبر الرّجل وحليته ، فقال الأحوص بن جعفر : ذلك كرب بن صفوان ، وبيننا وبينه من المودّة ما لا يبلغ كنهه ، وإنّما أتاكم ممدّا ، ولم يستطع أن يخبركم بشيء لما قد أخذ عليه من العهود والمواثيق ، فهل تدرون ما هاتان الصرّتان ؟ قالوا : لا . قال : فإنه يخبركم قد أتتكم شوكة عظيمة ، وأتاكم من القوم عدد التراب .
ثم التفت الأحوص إلى قيس بن زهير فقال : ما ترى يا قيس فيما رأيت ؟ فقال :
كذلك الرأي ، وقد أصبت وجه الصّواب . قال : وذلك أنّ القوم لمّا توجّهوا نحو بني عامر ، كانوا من كرب بني صفوان بن شجنة السّعديّ - من بني سعد بن زيد مناة بن تميم - على خوف أن ينذركم ، وكانوا قد أخذوه من قبل ، فأخذوا عليه العهود والمواثيق ألّا يتكلّم بشيء من أمرهم ، حتى يفرغ بعضهم من بعض . فلمّا سار القوم ، وصاروا قريبا من بني عامر ، خرج كرب بن صفوان تحت الليل حتى أتى محلّة الأحوص بن جعفر وبني عامر ، وكان من أمره ما كان ، حتى ألقى إليهم الصّرتين وولّى راجعا إلى بلاد قومه .
قال : ثم أقبلت بنو فزارة وذبيان وبنو القين وطيئ عليهم ابنا الجون الكنديّان .
وكان في الخيل حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ وقومه من فزارة ، ولقيط وحاجب ابنا زرارة سيّدا بني تميم . فلمّا أشرفت خيلهم صعدت بنو عامر وعبس الجبل ، فلمّا أشرفت قالت بنو بارق ونمير : لا نصعد الجبل أبدا .
وكان سبب حضور بني بارق يوم جبلة ، أنّ بني عامر بن عبد اللّه بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللّه بن مالك بن نصر بن الأزد أجلت بني بارق عن أرض السّراة ، وبارق هي سعد وعمرو ابنا عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر
الأنساب — صفحة 606
مساهمون: سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري
ص٦٠٦