فلمّا بلغ بني عامر مسيرهم ، اجتمعوا إلى الأحوص بن جعفر ، فقالوا : ما ترى ؟ فقال :
أمّا الرأي فقد فقدته من نفسي مذ كبرت سنّي ، وإنّما قلبي بعضه منّي ، ولكنّي إذا سمعت الرأي عرفته . ثم التفت إلى قيس بن زهير فقال : ما الحيلة ، ويحك ، يا قيس .
فقال : أتطيعونني يا بني عامر ؟ فقالوا : ائتمر بما أحببت ، فأمرنا في يديك . فقال : أرى من الرّأي أن تحرزوا أهليكم وأثقالكم وذراريكم في رأس شعب جبلة ، وتكونوا أنتم به ، واعقلوا الإبل واجعلوها أمامكم ، وعطّشوها حتى تجد ألم العطش ، واكمنوا لهم في أعلى الشعب ، حتى إذا صعد عدوّكم في الشّعب ، فكونوا في المضيق منه ، فحلّوا عقل الإبل وسرّحوها في وجوههم وقعقعوا في إثرها بالشّنان « 1 » ، فإنه أروع لها ، واركبوا أكساءها ، فإنها تطلب الورد ، فلا تمرّ بشيء إلا حطمته ، وقاتلوهم من فوقهم ، فإن أقاموا في أصل الشّعب تشتّت أمرهم وتفرقوا « 2 » .
ففعلوا ما أمرهم به قيس ، فدخلوا شعب جبلة ، وهو على طريق مكة ، وصنعوا كما أمرهم به قيس ، وقيس وعبس كلّها يومئذ في بني عامر ، ودعت بنو عامر بجبلة ، وكان بينهم حلف ، فأجابتهم بجيلة من كل بطن ، في خلق كثير ، حتى انتهوا إليهم . فعمدت بنو عامر إلى بطون بجيلة ، فجعلت مع كل بطن من بني عامر بطنا من بجيلة ، حتى لم يبق منهم بطن مفرد ، إلّا مع كل بطن من بني عامر بطن من بجيلة .
فلمّا أحرزوا حرمهم في شعب جبلة ، قام الرّجال ينتظرون ، وأبطأ عليهم الخبر ، فبينما هم كذلك إذ أقبل راكب يؤمّ نحوهم ، فجعل يسير حتى نزل قريبا من محلّتهم « 3 » .
هامش
( 1 ) الشنان ج شن : القربة الخلق ، يقعقع بها للإبل .
( 2 ) في الأغاني 11 / 135 أن الذي أشار على الأحوص بهذا الرأي هو عمرو بن عبد اللّه بن جعدة .
( 3 ) في الأغاني 11 / 139 أن الذي أنذر بني عامر بمقدم أعدائهم هو كرب بن صفوان بن شجنة .