تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وسلم ؟ فقال له الشافعي : إني لأعرف منها ما يخرج على وجه الايجاب ولا يجوز تركه كما لا يجوز ترك ما أوجبه اللّه تعالى في القرآن . وما خرج على وجه التأديب وما خرج على وجه الخاص لا يشرك فيه العام وما خرج على وجه العموم يدخل فيه الخصوص ، وما خرج جوابا عن سؤال سائل ليس لغيره استعماله ، وما خرج منه ابتداء لازدحام العلوم في صدره . وما فعله في خاصة نفسه واقتدى به الخاصة والعامة ، وما خص به نفسه دون الناس كلهم مع مالا ينبغي ذكره ، لأنه أسقطه عليه السلام عن الناس وسنه ذكرا . فقال له الرشيد : أخذت الترتيب يا شافعي لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأحسنت موضعها لوصفها ، فما حاجتنا إلى التكرار عليك ، ونحن نعلم ومن حضرنا أنك حامل نصابها مقلابها . فقال له الشافعي : ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ، وإنما شرفنا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيك . فقال : كيف بصرك بالعربية ؟ قال : هي مبدؤنا وطباعنا بها قومت ، وألسنتنا بها جرت ، فصارت كالحياة لا تتم إلا بالسلامة . وكذلك العربية لا تسلم إلا لأهلها ، ولقد ولدت وما أعرف اللحن ، فكنت كمن سلم من الداء ما سلم له الدواء ، وعاش بكامل الهناء . وبذلك شهد لي القرآن :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
- يعنى قريشا - وأنت وأنا منهم يا أمير المؤمنين ، والعنصر نظيف والجرثومة منيعة شامخة ، أنت أصل ونحن فرع ، وهو صلى اللّه عليه وسلم مفسر ومبين ، به اجتمعت أحسابنا فنحن بنو الاسلام ، وبذلك ندعى وننسب . فقال له الرشيد : صدقت ، بارك اللّه فيك . ثم قال له : كيف معرفتك بالشعر ؟ فقال : إني لأعرف طويله وكامله ، وسريعه ومجتثه ، ومسرحه وخفيفه ، وهزجه ورجزه ، وحكمه وغزله وما قيل فيه على الأمثال تبيانا للاخبار ، وما قصد به العشاق رجاء للتلاق وما رثى به الأوائل ليتأدب به الأواخر ، وما امتدح به المكثرون بابتلاء أمرائهم وعامتها كذب وزور وما نطق به الشاعر ليعرف تنبيها وحال لشيخه فوجل شاعره ، وما خرج على طرب من قائله لا أرب له ، وما تكلم به الشاعر فصار حكمة لمستمعه ، فقال له الرشيد : اكفف يا شافعي فقد أنفقت