مجال قلوب العارفين بروضة * سماوية من دونها حجب الرب
معسكرها فيها مجنى ثمارها * تنسم روح الانس للّه من قرب
يكنفها من عالم السر قربه * فلو قدر الآجال ذابت من الحب
وأروى صداها صرف كاسات حبه * وبرد نسيم جل عن منتهى الخطب
فيال قلوب قربت فتقربت * لذي العرش ممن زين الملك بالقرب
رضاها فارضاها فحازت مدا الرضى * وحلت من المحبوب بالمنزل الرحب
لها من لطيف الحب عزم سرت به * ويهتك بالأفكار ما داخل الحجب
فان فقدت خوف الفراق لالفها * أدامت حنينا تطلب الانس بالقرب
سرى سرها بين الحبيب وبينها * فاضحى مصونا من سوى الرب في القلب
. * حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر البغدادي قال سمعت عبد اللّه بن سهل الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول قال ذو النون : حقيقة السخاء ان تلزم البخيل في منعه إياك لوما لأنك إنما لمته واشتغلت به لوقوع ما منعك في قلبك ولو هان ذلك عليك لم تشتغل بلومه ثم أنشا يقول :
كريم كصفو الماء ليس بباخل * بشيء ولا مهد ملاما لباخل
. * حدثنا عثمان بن محمد قال سمعت أبا الحسن المذكر يذكر عن بعض أشياخه عن ذي النون قال : صحبت زنجيا في التيه وكان مفلفل الشعر ، فإذا ذكر اللّه ابيض ، فورد على أمر عظيم ، فقلت : لم يا هذا إنك إذا ذكرت اللّه تحول لونك وانقلبت عيناك ؟ قال : فجعل يخطر في التيه ويقول :
ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر * ولكن نسيم القرب يبدو فيظهر
فاحيى به عنى واحي به له * إذ الحق عنه مخبر ومعبر
قال ذو النون : فما طرق سمعي مثل حكمة ذلك الزنجي فعلمت أن للّه تعالى عبادا تعلى قلوبهم بالأذكار كما تعلى الأطيار في الأوكار ، لو فتشت منهم القلوب لما وجدت فيها غير حب المحبوب . قال : ثم بكى ذو النون وأنشأ يقول :
وأذكر أصنافا من الذكر حشوها * وداد وشوق يبعثان على الذكر
فذكر أليف الحب ممتزج بها * يحل محل الروح في طرفها يسرى