ما ازداد بالخلق ملكا حين أنشأهم * ولا يريد بهم دفعا لمضطهد
وكيف وهو غنى لافتقار به * والخلق تضطر بالتصريف والأود
ولم يدع خلق ما لم يبد خلقته * عجزا على سرعة منه ولا تؤد
إحاطة بجميع الغيب عن قدر * أحصى بها كل موجود ومفتقد
وكلهم باضطرار الفقر معترف * إلى فواضله في كل معتمد
العالم الشيء في تصريف حالته * ما عاد منه وما يمضى فلم يعد
ويعلم السر من نجوى القلوب وما * يخفى عليه خفى جال في خلد
ويسمع الحس من كل الورى ويرى * مدارج الذر في صفوانه الجلد
وما توارى من الابصار في ظلم * تحت الثرى وقرار الغم والثمد
الأول الآخر الفرد المهيمن لم * يعزب ولم يدكر قرب ولا بعد
عال على عليم لا زوال له * ولم يزل أزليا غير ذي فقد
وجل في الوصف عن كنه الصفات وعن * مقال ذي الشك والالحاد والعند
من لا يجازى بنعمى من فواضله * ولم ينله بمدح وصف مجتهد
وكل فكرة مخلوق إذا اجتهدت * بمدحه لم تنل إلا إلى الأبد
مسبح بلغات العارفات به * لم تدر ما غيره ربا ولم تجد
الفالق النور والظلماء وهي على * ما تقاذف بالأمواج والزبد
إذا مدها مد فوق الريح منشئها * فسبحت وهي فوق الماء في ميد
وشدها بالجبال الصم فاضطأدت * أركانها بشداد الصخر والجلد
برا السماوات سقفا ثم أنشأها * سبعا طباقا بلا عون ولا عمد
تقلهن مع الأرضين قدرته * وكل ذلك لم يثقل ولم يؤد
وبث فيها صنوفا من بدائعه * من الخلائق من مثنى ومن وهد
من كل جنس برا أصنافه وذرا * اشباحه بين مكسور ومنجرد
فيها الملائك بالتسبيح خاضعة * لا يسأمون لطول الدهر والأمد
فمنهم تحت سوق العرش أربعة * كالثور والنسر والانسان والأسد
فكل ذي خلقة يدعو لمشبهه * في الخلق بالعيشة المرضية الرغد
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 389
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٣٨٩