قال لهم ذات عشيّة : قد اجتمع ثمن المنزل كلّه والحمد للّه ، وأرجو أن أدفع ذلك غدا والحمد للّه ، وأكتب الكتاب . فقال له صديق له : هل لك في صديقك فلان نعوده فإنّه مريض ؟ قال : نعم . فقام إليه فدخل عليه ، فسأله كيف هو ؟ فقال له الرجل : وا ويل ووا ويلاه مما في الصّندوق ، ليت فيه بدله عقارب أو أفاعي أو جمرا يتلهّب . فقال له عامر : لا تقل هذا ، وأبشر ، فأنّي أرجو أن يقيلك اللّه ويرفعك حتى تنظر فيما في الصّندوق وتستعتب . « 1 » ثم خرج عامر ، فما بلغ منزله حتى أتاه إنسان فأخبره أنه مات ، فخرج عامر في جنازته ، فجعل يلتفت إليه وهو على سريره بين ساعيين فيقول : الحمد للّه الذي وعظني بك ولم يعظك بي . قال :
فما سمع عامر ذاكرا لمنزل حتى مات . فيرى أنه تقرّب بثمنه إلى اللّه عزّ وجلّ . « 2 » .
380 - أخبرنا الزبير قال : وحدثني عياش بن المغيرة قال : كان عامر بن عبد اللّه بن الزبير إذا شهد جنازة وقف على القبر فقال : ألا أراك ضيّقا ؟ ألا أراك دقعاء ؟ « 3 » ألا أراك مظلما ؟ لئن سلمت لأتأهّبنّ لك أهبتك . فأوّل شيء تراه / ( 90 ) عيناه من ماله يتقرّب به إلى ربه . قال : فإن رقيقه ليتعرّضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم . « 4 »
381 - حدثنا الزبير قال : وحدثني محمد بن الضّحاك ، وعبد الرحمن بن المغيرة الحزاميّ : أن عامر بن عبد اللّه دفع إلى محمّد بن زياد مولى مصعب بن
هامش
( 1 ) ( استعتب ) ، استقال وطلب العتبى ، أي استرضاء ربه عزّ وجل .
( 2 ) في هامش الأم عند هذا الموضع ما نصه : ( آخر الرابع عشر من نسخة ابن طاهر الفيج ) .
( تعليق ) : قلت : ( الفيج ) ، بفتح الفاء وسكون الياء ، يقال لمن يحمل الكتب بسرعة من بلد إلى بلد ، واشتهر به أبو المعالي أحمد بن الحسن بن أحمد بن طاهر الفيج البغدادي ، سمع أبا يعلى ابن الفراء ، وأبا بكر الخطيب ، وغيرهما ، ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ، وتوفي في رجب سنة 513 « لباب الأنساب » وكانت ( الفيج ) ، غير منقوطة في الأصل .
( 3 ) ( الدقعاء ) ، الأرض لا نبات بها ، والتراب .
( 4 ) في الأم : ( كان رقيقه ) ، ثم كتب فوق ( كان ) ( فإن ) ، تصحيحا لها ، دون أن يضرب عليها .