تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشعراء — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
أن يسمي أصحاب المراثي يقول : « والمقدّم عندنا متمّم بن نويرة » . ويقول في قيس بن الخطيم : « ومن الناس من يفضله على حسان ولا أقول ذلك » . وفي كل فكرة نرى ابن سلام يستند على السابقين ، ويجعل كلامهم بدء بحثه . ذلك ظاهر في جميع ما قلناه ، وظاهر كذلك في الأساس الذي جعل عليه الشعراء طبقات . هو بعينه الأساس القديم : كثرة الشعر وجودته عند الشاعر . فبقدر ثروته وإجادته تكون منزلته في أن يوضع في الطبقة الثانية أو الثالثة وهلم جرا . وضع ابن سلام الأسود بن يعفر في الطبقة الخامسة من الجاهليين وقال فيه : « وله واحدة طويلة رائعة لاحقة بأول الشعر لو كان شفعها بمثلها قدمناه على أهل مرتبته » . ووضع كثيّر بن عبد الرحمن الخزاعي في الطبقة الثانية الإسلامية وجعل جميل بن معمر في السادسة ، مع أنه يقول إن جميلا مقدم عليه في النسيب . ولم يهمل ابن سلام سرّ ذلك ؛ فهو يقول : ولكثيّر في فنون الشعر ما ليس لجميل ، وقلة الجيد من تلك الطبقة أخّر الأسود بن يعفر ، وتنوّع أغراض كثيّر التي تستدعي كثرة شعره قدّمته على جميل ؛ وإن كان جميل أستاذه في فن شعري خاص . ويقول في شعراء يثرب : « وأشعرهم حسّان بن ثابت هو كثير الشعر جيّده » . هاتان هما الفكرتان اللتان يقوم عليهما كتاب طبقات الشعراء لابن سلّام : الكلام في الشعر الموضوع ، والكلام في الشعراء وأشعارهم وجعلهم طبقات . وتلي هاتين فكرة عرضية خاض فيها المؤلف ، ونمّاها ، وبرهن عليها ، كما فعل في أخواتها : هي الفكرة التي تتصل بما دعوناه النقد الموضوعي . فقد اتضحت عند ابن سلام أكثر من ذي قبل ونظمت تنظيما علميا صحيحا يستند إلى الفكر ، وإلى ربط الأمور بأسبابها . كان عدي بن زيد ليّن اللسان ، سهل المنطق ، لماذا ؟ لأنه كان يسكن الحيرة ومراكز الريف . أليس ذلك صريحا في إيمان ابن سلام ومن تقدمه بأثر البيئة في الشعر والشعراء ؟ وإذا كان السابقون قد هيئوا لابن سلّام تلك الفكرة في شعر عدي ، فإن له غيرها أعمق منها ، وأدلّ على نفاذ بصيرته فليست البيئات الجاهلية كلها سواء في انتاج الشعر عند ابن سلام ، وليست الحالات الاجتماعية الجاهلية من التشابه والتماثل بحيث تثمر إحداها من الأدب ما تثمره الأخرى . يقول : وبالطائف شعراء وليسوا بالكثير ، لماذا ؟ لماذا لم يكثر الشعر في الطائف أيام الجاهلية ؟ « لأن الشعر إنما يكثر بالحروب التي بين الأحياء ، نحو حرب الأوس والخزرج ، أو بين قوم يغيرون ويغار عليهم » . وهو في الفكرة الأخيرة ينظر إلى البادية . وكذلك طبيعة الشعر الجاهلي في جملته : إنه شعر فخار وقتال وغارات وحروب ؛ فكثر في البادية لأنها أصح بيئاته ، وكثر في قرية عربية