إليه . فعلقمة الفحل له ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر . وسويد بن أبي كاهل له قصيدته التي أولها :
بسطت رابعة الحبل لنا * فوصلنا الحبل منها ما اتّسع
وله شعر كثير ، ولكن برزت هذه على شعره . وهذه الأحكام عرفت من زمن مبكر ، عرفت في الجاهلية كما رأينا فيما مضى ؛ فقريش قالت لعلقمة في قصيدتين من الثلاث :
هاتان سمطا الدهر ، والجاهليون كانوا يسمون عينية سويد اليتيمة ؛ وسنرى بعد أن ابن سلّام يستعين كثيرا بآراء معاصريه وسابقيه من اللغويين .
فأما أحكامه التي لم يتقدمه بها أحد فهي كثيرة ، وإن كانت أحيانا غير عميقة ولا محدودة ، فللأسود بن يعفر واحدة طويلة رائعة ، يريد قصيدته :
نام الخليّ وما أحسّ رقادي * والهمّ محتضر لديّ وسادي
وكان لكثيّر في التشبيه نصيب وافر ، وجميل مقدّم عليه في النسيب ؛ والشمّاخ بن ضرار كان شديد متون الشعر ، أشد أسر الكلام من لبيد ، وفيه كزازة ؛ ولبيد أسهل منه منطقا . مثل هذه الأحكام من بحوث ابن سلام نفسه ومما اهتدى هو إليه بذوقه الخاص .
ولكن الكتاب كما يدل عليه عنوانه موضوع في طبقات الشعراء ، فالتفاضل بينهم وإنزال كلّ في المنزلة التي تلائمه هو أساسه وقوامه ودعامته الكبرى . والظاهر أن الكتاب في الأصل كتابان : أحدهما في طبقات فحول الشعراء الجاهليين ، والآخر في فحول الشعراء الإسلاميين . فاضطراب المقدمة ، وما فيها من الخلط يشعر بأنها كانت مقدمتين أدمجت إحداهما في الأخرى . ثم إن روح ابن سلّام في الجاهليين قوية عميقة منصرفة أو تكاد إلى ما هو من صميم النقد . فأما طبقاته في الإسلاميين فيكثر فيها التاريخ عند جماعة كجرير والفرزدق والأخطل ، وتقل فيها روح العلم . وفي المقدمة نفسها ما يدل على أن ابن سلام ألف أولا طبقات الجاهليين ، وهو الراجح ، فقد أودع تلك الطبقات كلّ أفكاره التي تهمه ، وأودعها جدله وحججه وروحه العلمي الدقيق . ودليل آخر هو أن أكثر ما كان يكتب إلى عهد ابن سلّام بحوث صغيرة ، ورسائل ، لا كتب كبيرة . وليس ببعيد أن يكتب ابن سلّام بحثا في طبقات الجاهليين ، ثم يثنيه بآخر في طبقات الإسلاميين . وأخيرا يعدّ صاحب الفهرست طبقات الشعراء لابن سلام كتابين اثنين لا كتابا واحدا . وسواء أكان الأمر أمر كتابين أو كتاب ، فإن الخطة تختلف ، والنهج واحد في الجاهليين والإسلاميين ، فما اتبعه ابن سلام في إحداهما اتبعه في الأخرى .