ومع أن ابن سلّام موفّق كلّ التوفيق في تفرقته بين الجاهليين من سكان البادية والجاهليين من سكان القرى ، إلا أن ذلك أخل بشيء من رسم الكتاب فلم يتعرض لمكانة شعراء القرى ، ولم يذكر لنا منزلة شاعر كبير كحسان . هذا إلى أنه أهمل بعض فحول الشعراء كعمر بن أبي ربيعة ، والطرّماح بن حكيم ، والكميت الأسدي ، ومكانتهم لا تنكر في الشعراء الإسلاميين . ولسنا ندري كيف جاء بشامة بن الغدير ، وأبو زبيد الطائي في طبقات الإسلاميين ، مع أنهما جاهليان .
ويظل كتاب ابن سلّام ، على هذه المآخذ ، من أهم ما كتب في النقد الأدبي عند العرب . ويظل ابن سلّام من أجلّاء النقاد صحة ذهن ، ونفاذ بصر بما بسّط من القول ، وأوضح من الدلائل وبيّن من العلل ؛ فقد وصل ما أصّله الأدباء واللغويون ، وتناوله تناولا حسنا ، وزاد عليه زيادات قيمة . ففي كتابه صورة لحياة النقد منذ نشأ في الجاهلية إلى أوائل القرن الثالث ، وصورة للأذواق المختلفة ، والأذهان المختلفة التي خاضت فيه . ولقد كانت الأفكار في النقد مبعثرة لا يربطها رابط ، حتى جاء ابن سلّام فضمّ أشتاتها ، وألّف بين المتشابه منها بروح علمي قوي . ثم إن الأصول التي عرفت قبله في النقد لم توطّد ، ولم تؤكد ، ولم تستقر وترسخ إلا في كتاب طبقات الشعراء . هذا إلى أن الكتاب أقدم وثائق النقد المدوّنة ؛ فيه كثير من آراء الأدباء واللغويين التي انتفع بها فيما بعد من كتبوا في نقد الأدب ، أو في سير الشعراء ، كالآمدي صاحب الموازنة بين الطائيين ، وأبي الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني . وحسب كتاب ابن سلّام أن يكون جماع القول في الشعر العربي في الجاهلية والإسلام .
طبقات الشعراء — صفحة 25
مساهمون: محمد بن سلام الجمحي
ص٢٥