شديد . وكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام ؛ وأبرع ما قاله قصيدته التي مدح فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهي :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل
وقد زيد فيها وطوّلت .
ولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية فسقط ، ولم يصل إلينا منه إلا القليل . ولسنا نعدّ ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شعرا . ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذلك لهم . وقريش تزيد في أشعارها ؛ تريد بذلك الأنصار والردّ على حسّان .
تلك أمثلة للشعر الموضوع ، أو أولئك بعض الشعراء الجاهليين الذين عزيت إليهم أشعار ليست لهم . وابن سلّام لا يدلّل على بطلان كل مثل اكتفاء بالبرهان الذي أورده في المقدمة . وهذه الأمثلة ترجع عند البحث إما للعصبيّة كالذي فعلت قريش ، وإما للرّواة ، كالذي حدث في شعر عبيد أو عدي بن زيد ؛ وقد يكون منها ما يرجع للدين كتطويل قصيدة أبي طالب في مدح النبي عليه السلام ، وإن كانت تحتمل الرجوع إلى العصبية أو الرواة .
وواضح جدا أثر ابن سلّام في تدوين الحقائق العلمية الشائعة في عصره . فهو لا يكتفي بنظرة ، ولا برأي ، ولا بكلام مفكك منبت ، بل يلم بالفكرة من أطرافها ، ويأخذها أخذ العلماء بالنظر والتحليل ، وكيف جاءت ، وما الذي تنتهي اليه .
وواضح جدا أن ابن سلّام قد درس الشعر الجاهلي لتمحيصه من تلك الناحية فأقرّ ما أقرّ ، وأبطل ما أبطل مستعينا على ذلك بدراسته الواسعة للشعر ورجاله ، وتغلغله في روح العصر الجاهلي ، ووقوفه على طبع كل شاعر . وبون شاسع بين كلمة يقررها رجل كالمفضّل الضّبي في انتحال الشعر وبين هذا البحث الفسيح العميق الذي قام به ابن سلّام .
وثانية الأفكار المهمة في كتاب ابن سلّام ، حديثه عن الشعراء وجعلهم طبقات . ولقد حملت روح الكتاب مؤلفه على ألا يتعرض لتحليل النصوص الأدبية فيظهر جمالها الفني ، وعناصرها الرائعة ، أو ما عسى أن يكون فيها من ضعف وهزال بل انصرف إلى الشعراء أنفسهم ذاكرا لهم ما يراه جيدا دون أن يذكر أسباب تلك الجودة في الغالب الكثير . ليست لابن سلّام ، إذن ، أحكام على الشعر نصا ، بل أحكام على الشعراء ، وتنويه بما لهم من القول الطيب ، وبما لهم من نظراء ، وبالمنزلة التي هم أهل لها . ويورد ابن سلّام في هذا الشأن بعض ما ذكره الناس قبله ، وكثيرا ما يكون له رأي مبتكر لم يسبق