تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشعراء — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
استغلت فيها خصومة عنيفة بين حيين ، وكانت لهم أيام . فإذا لم يكن ذلك ؟ إذا لم تكن ثائرة ولا حرب ؟ لم يكن شعر كثير ، وكذلك كان الأمر في مكة والطائف وعمان . ولا يدعنا ابن سلّام نستنبط ذلك من حكمه ، بل يذكر جميع ما يترتب عليه إيجابا وسلبا ؛ فيقول : « والذي قلّل شعر قريش أنه لم يكن بينهم ثائرة ، ولم يحاربوا ، وذلك الذي قلّل شعر عمان وأهل الطائف » . وفي كتاب طبقات الشعراء أفكار أخرى ليست في أهمية ما سبق وإن تكن نافعة مجدية ، وهو يتناولها كذلك بروح العالم الأديب ، وليس من عالم إلا وأنت آخذ من قوله وتارك . وليس كل ما جاء في كتاب طبقات الشعراء بالذي يسلمه الباحثون ، فيه مآخذ شأن كل كتاب قيّم نلمّ بطرف منها ، فأغلب الظن أن ابن سلّام وهو يقرر نظرية الشعر الموضوع ويؤاخذ عليه العلماء ، وقع في مثل ما عابه على ابن إسحاق ، فأضاف إلى بعض الجاهليين ما ليس لهم ، وأورد شعرا جاهليا لا يطمئن اليه . فهذه الأبيات التي أوردها في مقدمة كتابه على أنها من قديم الشعر الصحيح ، وأضافها إلى المستوغر بن ربيعة ، أو على أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان في أخذ الليالي من المرء ، وفي السأم من الحياة ، هذه الأبيات لا بد أن تؤخذ بحذر . وقد يقدر الباحث أنها وجدت قبل أن يصل الشعر الجاهلي إلى الإتقان والإحكام ، ولكن لينها ، وإسفافها ، وموضوعها ، ومعانيها لا تدع لها السبيل ممهّدة إلى التصديق بها ، والركون إليها . وإذا كان ابن سلام بارعا كلّ البراعة في تناول المسائل الأدبية من جميع أطرافها ، فإن ملكته الأدبية في تحليل الشعر وتذوقه لا تكاد تظهر فيما كتب ؛ ملكته الأدبية أضعف بكثير من ملكته العلمية . وكان لنا أن ننتظر من ابن سلّام ، وقد تأخر به العهد عن كل ما ذكرنا ، تحليلا للشعر فسيحا عميقا يلائم انفساخ النقد في الميادين الأخرى ، ولكننا لا نجده يتقدم في تذوق الأدب خطوة عن الذين عاصروه أو سبقوه . بل لقد نرى له أحيانا كلاما لا يحدّد ذوقا خاصا ، ولا يشعر بتفهم النصوص على النحو المقنع . وقلّما نظفر بشيء دقيق حين تتبع آراء ابن سلّام فيما يتصل بالشعر ، فأبو ذؤيب الهذلي شاعر فحل لا غميزة فيه ولا وهن . وعبد بني الحسحاس حلو الشعر ، رقيق حواشي الكلام . والبعيث فاخر الكلام حر اللفظ . ما هي حلاوة الكلام ؟ ما رقة الحواشي ؟ والغميزة والوهن في الشعر ؟ كل أولئك على شيء من الغموض مهما آمنا بصعوبة التحديد في الفنون . وقد يكون لنا أن نتساءل عن ذوق ابن سلّام الفني ، ما هو ؟ ما الذي يميل إليه ؟ ذلك كان لا بد من معرفته في رجل يتصدى لنقد الأدب . وما قلناه آنفا من أن ابن سلّام كان معنيّا على الأخص في مثل هذا المقام بجعل الشعراء طبقات ، يفسّر انصرافه عن