تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشعراء — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
تحليل النصوص فلا يظهر له فيها من الذوق إلا بمقدار ما يعينه على وضع الشاعر في إحدى الطبقات . على أن ابن سلّام من اللغويين ، ولنا إذن أن نقول إنه من أذوقهم بوجه عام . وفي تصديه لجعل الشعراء طبقات مآخذ كذلك . فقد انفرد من بين العلماء بإضافة الراعي إلى الثلاثة الإسلاميين وعدّه في طبقتهم . وهو في ذلك لم يستند إلى حجّة ، ولم يقم دليلا ، ولم يذكر في كلامه على الراعي شيئا يسوّغ هذا التقديم . والمقياس الذي اتخذه في الطبقات هو كثرة الشعر وجودته ، ونحن نجده قد راعى ذلك حينا وأغفله حينا . فليس من شك في أن الحطيئة جدير بأن يكون من شعراء الطبقة الثانية كما وضعه ابن سلّام . فأما جدارة كعب بن زهير بها فذلك موضع نظر . فنحن لا نكاد نعرف لكعب إلا ( بانت سعاد ) ؛ وهي من غرر الشعر العربي ، ما في ذلك جدال ، ولكن الأمر إذ يرجع بنا إلى طرفة ولبيد مثلا ؛ فمعلقة طرفة من عيون الشعر ، وهو أجودهم طويلة كما ورد في ابن سلّام ، ثم له بعد المعلقة قصيدة أخرى مثلها ، ثم له بعد ذلك قصائد حسان جياد . تلك عبارات ابن سلّام نفسه ، ومع هذا فقد وضع طرفة في الطبقة الرابعة ، وهو ككعب إجادة ، وقد يكون أكثر منه شعرا . ولو حاولت أن تعرف لماذا وضع لبيدا في الثالثة وطرفة في الرابعة لما اهتديت إلى سرّ . ولو أنك حاولت أن ترى لماذا وضع عمرو بن كلثوم ، والحارث بن حلّزة ، وعنترة العبسي ، وسويد بن أبي كاهل في السادسة على حين وضع في الخامسة شعراء دونهم شهرة ونباهة ذكر ، لم تعثر على تعليل يشفي النفس ؛ مع أن ابن سلام يعرف أن الثلاثة الأولين من رجال القصائد السبع ، وأن ابن أبي كاهل هو صاحب اليتيمة . وقد حدث هذا أيضا في طبقات الإسلاميين حين وضع الأحوص ، وعبيد اللّه بن قيس الرّقيّات ، في السادسة ، ووضع في الخامسة بل في الرابعة من هم دونهم جودة شعر ، وكثرة فنون . لعلّ الأيام هي التي أبلت شعر من قدّمهم ابن سلّام ، ولا نراهم اليوم في المقدمين ؛ غير أن ذلك أن صح في الجاهليين فمن العسير أن يصح في الإسلاميين . ومهما يكن من شيء فقد اضطرب ابن سلّام كثيرا في منازل الشعراء . وسرّ هذا الاضطراب واضح مفهوم ؛ فليس من الرأي في شيء أن يكون الشعراء عشر طبقات ، وليس من الممكن بحال أن نعرف من الفروق بين الشعراء ما يمهد لنا أن نوزعهم على طبقات عشر . والخصائص الفنية رقيقة متموجة لا تطيع الباحث إلى مثل هذا المدى وإنما الذي عليه جمهرة العلماء ، والذي يرضاه المنطق والسواد أن يقسم الشعراء ثلاث طبقات : مبرّزين ، ومتوسطين ، ومتأخرين . ولو فعل ابن سلّام ذلك لكان أصوب ، ولما اضطر في الطبقات الأخيرة أن يسرد الشعراء سردا دون شاهد أو دليل .