تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشعراء — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
وغير خاف أن جعل جماعة من الشعراء في منزلة واحدة ، فكرة قديمة فطن إليها الأدباء الإسلاميون في أن جريرا والفرزدق والأخطل طبقة ، ونماها اللغويون بجعلهم امرأ القيس وزهيرا والنابغة والأعشى طبقة ؛ ومعنى طبقة أنهم نظراء ، وأنهم المتقدمون والمبرزون . وفكرة الطبقة الأولى توحي بالضرورة بطبقات أخرى ، وكذلك فعل ابن سلّام ؛ فجعل الشعراء طبقات ، وجعل الأربعة الجاهليين أول طبقات الجاهلية ، والثلاثة الإسلاميين أول طبقات الإسلام مضيفا إليهم الراعي . ومع أن ابن سلّام عاش في عصر المحدثين وعاصر أمثال مروان بن أبي حفصة وأبي نواس ، ومسلم بن الوليد ، وأبي تمّام ؛ فإنه لم يتصدّ فيما كتب لشاعر محدث ، واقتصر على الجاهليين والإسلاميين ، وكأن المصادفة في أن تتألف الطبقة الأولى الجاهلية من أربعة شعراء حملت المؤلف على أن تكون كل طبقة تالية لها مؤلفة من رجال أربعة . وإذا صحّ هذا التعليل فلا ندري ما السر في أنه جعل عدة الطبقات من هؤلاء وأولئك عشرا ؛ قسم الجاهليين أهل وبر وأهل مدر ، قسمهم بدوا وحضرا ، وجعل البدو عشر طبقات ، وكل طبقة تتألف من أربعة ، وجعل مخضرمي الجاهلية والإسلام كالحطيئة ولبيد وكعب بن زهير في عداد الجاهليين ، وضم إلى هؤلاء البادين شعراء بادين كذلك ، دعاهم أصحاب المراثي ، وأولئك لم يدخلوا في الطبقات كما لم يدخل فيها شعراء مكة ويثرب والطائف وغيرها من القرى العربية . وهو في تقسيمه الشعراء الجاهليين إلى بادين وحاضرين مؤمن بأثر البيئة في الشعراء ؛ وهو في قصره الطبقات على البدو وحدهم مؤمن بأن الشعر الجاهلي في جملته شعر بادية ، ولذلك لم ينوّه بتلك الفروق في الإسلاميين . وإذا كان من المعروف أن الطبقة الأولى جاهلية وإسلامية حددت قبل ابن سلّام فإن من الطبيعي جدا ألا نجد له فيها أثرا ، ولا حكما ، ولا رأيا خاصا ؛ اللهم إلا جعله الراعي رابع الإسلاميين الثلاثة . وهو في الطبقة الأولى يكتفي بما كثر فيها من قول وخصومة بين السابقين فلا ينقض أمرا أبرموه ، ولا يدحض رأيا أيّدوه ، ولا يأتي بدليل جديد ؛ فإذا جاوز الطبقة الأولى إلى غيرها روى لأصحابها إن كانت فيهم رواية ، وأورد ما قيل فيها من قبل إن يكن قد قيل فيها شيء ، ثم يكون له رأي وتدخل وقول فصل . فحسان بن ثابت يقول : أشعر الناس حبّا هذيل ؛ والفرزدق يقول في النابغة الجعدي : مثله مثل صاحب الخلقان ترى عنده ثوب عصب ، وثوب خزّ ، وإلى جنبه سمل كساء ؛ وأبو عمرو بن العلاء يقول في خداش بن زهير بن ربيعة : هو أشعر في قريحة الشعر من لبيد ، وأبى الناس إلا تقدمة لبيد . يأتنس ابن سلّام بمثل تلك الآراء في كلامه على غير رجال الطبقة الأولى ، ولكنه يزيد من عنده أحيانا ، ويحكم على الشاعر حكما قد لا يتفق مع ما رآه بعض السلف ، فهو بعد