تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشعراء — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
هذا الشعر ، وأنفذهم صوتا في هذا المقام . أراد أن يحمل الذين يدونون الشعر على التنقية ، ويدعوهم ألا يتركوا للخلف إلا الثابت الصحيح ، وأراد أن يشعر الآتين بما يجب عليهم من الحذر والتبصر فيما يسند إلى الجاهليين ؛ بل أراد أبعد من هذا : أراد خدمة الروح العلمية بإسناد كل قول إلى صاحبه ، وكل شعر إلى عصره . يؤمن ابن سلّام كما يؤمن غيره من العلماء ، بأن من الشعر الجاهلي ما هو مصنوع . وتلك فكرة ذاعت قبل ابن سلّام ، وعند غير ابن سلّام من معاصريه ولكن ابن سلّام يعرضها فيحسن العرض ، ويبرهن عليها فيجيد ، ويتلمس لها الأسباب المبرهنة ، ويطبقها على من يطبقها عليهم من الشعراء الجاهليين . يأتنس ابن سلام فيها بما شاع عنها لدى العلماء ؛ فخلف يرى أن من الشعر ما هو مصنوع لا خير فيه فلذلك يرده . ويونس بن حبيب يتهم حماد الراوية بالكذب . وأبو عبيدة يروي أن داود بن متمّم بن نويرة قدم البصرة فأتاه هو وابن نوح فسألاه عن شعر أبيه متمّم « فلمّا نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها ، وإذا كلام دون كلام متمم ، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم ، والوقائع التي شهدها » . قال أبو عبيدة فلما قال ذلك علمنا أنه يفتعله . وبعد أن يهيء ابن سلام القول في الشعر الموضوع يأخذ منه مثالا بعينه ، ويقبل عليه طعنا وتجريحا بكل ما يمكن من البراهين ؛ فهو يعيب على محمد بن إسحاق صاحب السيرة أنه هجّن الشعر وأفسده ، وأورد في كتابه أشعارا لرجال لم يقولوا شعرا قط ، ونساء لم يقلن شعرا قط ، بل أورد أشعارا لعاد وثمود فكيف يبطل ابن سلّام هذا الشعر ، وكيف ينفيه ؟ بأدلة أربعة : 1 ) أولها دليل نقلي ، وهو القرآن الكريم . فاللّه عزّ وجل يقول :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى
ويقول في عاد :
فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
لم تبق بقية من عاد ؛ فمن إذن حمل هذا الشعر ، ومن أدّاه منذ ألوف من السنين ؟ ويخرج ابن سلّام من هذا الدليل إلى الأدلة العلمية ، إلى الأدلة التي تستند على الموازنة ، وعلى تاريخ الأدب . 2 ) فيبرهن على أن اللغة العربية لم تكن موجودة في عهد عاد ، وليس يصح في الأذهان أن يوجد شعر بلغة لم توجد بعد . فأول من تكلم بالعربية إسماعيل بن إبراهيم كما يقول ابن سلام ، وإسماعيل كان بعد عاد . ثم إن معدا الجد الذي قبل الأخير فيمن يعرف من جدود العرب كان بإزاء موسى بن عمران أو قبله قليلا ، وموسى بن عمران جاء بعد عاد وثمود .