/ ولمّا رأيت العزّ في دار أهله * تمنّيت ، بعد الشّيب ، أنّك ناقله « 1 »
ولمّا نر الأخفاف تمشى على الذّرى ، * ولمّا يكن أعلى العضاه أسافله « 2 »
ولمّا يزل عن رأس صهوة عصمها ، * ولمّا يدع ورد العراق مناهله « 3 »
وينفس في ما أورثتنى أوائلى * ويرغب عمّا أورثته أوائله « 4 »
فإن كنت لا تمسى بحظّك راضيا * فدع عنك حظّى ، إنّنى اليوم شاغله « 5 »
هامش
( 1 ) يعنى : لما رأيت العز والشرف ونحن أهله ، قد استقر في دارنا ، ظننت بهجائك إياي أن تنقله إلى دارك .
( 2 ) الأخفاف جمع خف : وهو للبعير كالحافر للفرس . والذرى جمع ذروة : وهي أعلى سنام البعير ، وهي من كل شيء أعلاه . والعضاه : شجر عظام له شوك . يقول : كيف يتم هذا لك ، ولم ينقلب أمر الدنيا بعد ، حتى نرى القدم تمشى على الرأس ، وحتى يصبح الشجر منكوسا في مغارسه .
( 3 ) صهوة : فيما أرى ، اسم جبل عال ، وصهوة كل شيء : أعلاه . ولكني لم أجده جبلا .
ورواية الاختيارين : « رهوة » بالراء ، وهو أشبه بالصواب ، و « رهوة » جبل مذكور في شعر الحارث بن حلزة ، وعمرو بن كلثوم ، وابن مقبل ، وغيرهم . والعصم جمع أعصم : وهو الوعل ، سمى بذلك لبياض في ذراعيه ، وهو يسكن أعلى الجبال لا يكاد يفارقها . ورد العراق : نهرها الأعظم . والمناهل : منازل السفار وغيرهم على الماء . يقول : وكيف يتم لك ما تريد ، والوعول في جبالها الشم لم تفارقها بعد ، ولم يجف ماء الفرات بعد ، فلا تجد عنده واردا ولا مستقيا ؟ وكل ذلك كناية عن شرفه وكرمه وسخائه ، لم يتغير منها شيء ، كما لم تتغير هذه جميعا ولم تنقلب أحوالها ، وأن الزبرقان لا يبلغ مبلغه ، إلا إذا تبدل كل شيء عن حالته إلى نقيضها .
( 4 ) البيت تابع لبيت آخر لم يأت في النسخة . نفس في الأمر : طمع فيه ورغب ، وهو أمر منفوس فيه ، مرغوب فيه . ورغب عن الشئ : تركه وأعرض عنه زهدا فيه أو ازدراء له . وأعاد الضمير إلى الغائب ، تعجبا وزيادة في تحقيره ، كأنه قال : ويطمع هذا الذليل فيما ورثت من مجد آبائي ، ويزهد فيما خلف له آباؤه من الضعة والهوان !
( 5 ) أجود الروايتين « إنني عنك شاغله » ، اللسان ( قعا ) ، يقول : إن كنت لا تقنع بحظك من المنزلة التي أنزلكها اللّه في الناس ، وتطمع في أن تنال عز غيرك ، فلا تمن نفسك الطمع في عزى وشرفى ، فإني مانعه منك وشاغلك بما يمضك ويؤذيك . وفيه قلب وأصله « إنني عنه شاغلك » .
وأما رواية الأصل ، فكأنه أراد بالشاغل : المانع لحوزته .