وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ ( كما هو الحال في باطن القرآن ) وكان غير متجزّئ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله » « 1 » ، وإنّما الطريق إليه يمرّ من خلال طهارة القلب ؛ قال تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِى كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 79 77 ) فإذا كان مرجع الضمير في قوله « لا يمسّه » الكتاب المكنون ، وهو الذي عبّر عنه أُمّ الكتاب في قوله : وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا ، واللوح المحفوظ في قوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( البروج : 22 21 ) فسيكون المراد بالمسّ هو المسّ القلبي ، والمراد بالطهارة طهارة الباطن .
لذا قال الشيرازي : « وإن كان الضمير في لا يمسه عائداً إلى كتب مكنون وجعلت الجملة الفعليّة صفة له ، فالمعنى : لا يمسّ اللوح المحفوظ ولا يحمله بما فيه ، إلّا المجرّدون عن جلباب البشريّة من الإنسان والملائكة ، الذين وصفوا بالطهارة من آثار الإجرام » « 2 » .
لكن إذا كان النشاط الذهني والفعّاليّة العقليّة قاصرَين عن التعاطي مع بطون القرآن بواقعها الوجودي الكامل ، فإنّ ذلك لا يعنى
انسداد الطريق مطلقاً ، بقدر ما يملى على الإنسان الارتقاء من طور في المعرفة أداته العقل إلى طور آخر أداته القلب « 3 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 18 ص 84 .
( 2 ) تفسير القرآن الكريم ، الشيرازي ، مصدر سابق : ج 7 ص 93 .
( 3 ) وهذا هو الذي يسمّى في كلمات العرفاء « طور وراء طور العقل » ، قال القيصري في شرحه على الفصوص : « لأنّ طور المعرفة فوق طور الإدراك العقلي ، وهو الكشف عن حقائق الأُمور على ما هي عليه » . شرح القيصري على فصوص الحكم ، / / للشيخ الأكبر محيى الدِّين ابن عربى ، المتوفّى 638 ه : الفصّ الإبراهيمى ، ص 179 ع 2 ، وكذلك الفصّ العزيزي ص 304 .