فالرمزية آخذة بالتعقيد كلما ارتقينا في الأهداف ، وهذا الارتقاء ينسجم تماماً مع إستراتيجية المعارف والعلوم عموماً ومع السلّم القرآني « 1 » خصوصاً ، فليس كل ما يُعرف يُقال ، ولا ينبغي لكل أحد أن يُعاين الحقيقة إلا بمقدار استعداده ، وهذا الاستعداد المُسبق تكشف حدود
الرمزية عنه ، وعندئذ سوف نفهم أىّ مراتب للذين يعلمون وللذين لا يعلمون في قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ ( الزمر : 9 ) ، وسيتضح في أىّ مرتبة من الموت والحياة التي نحن عليها في قوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ . . . ( فاطر : 22 ) .
الرمزية وفواتح السور
شكّلت فواتح السور مساحة كبيرة في أُفق الرمزية لم يُسبر غورها ولم تُكشف أسرارها بعد ، فهي في أُفق المستوى الثالث من أهداف القرآن الكريم ، أعنى المستوى الأخصّ الذي يحتاج إلى معاينة للحقيقة .
إن فواتح السور أو الحروف المقطعة قد انتشرت على مساحة تسع وعشرين سورة ، قيل بأنها مفاتيح السور نفسها ، وقيل بأنها تُمثل الوجود الإجمالي لتلكم السور ، وقيل بأنها إجمال لحوادث وقعت بعد زمن النزول بفترات غير قصيرة ، وقيل بأنها إجمال القرآن كلّه ، وقيل بأنها
إجمال وقائع البشرية في آخر أزمنتها ، وقيل بأنها مُجرد حروف مباني لا تحمل أىّ معنى ، وقيل وقيل .
هامش
( 1 ) تعرّض السيد الأُستاذ إلى تفصيلات السلّم القرآني في كتبه الأخرى .