وهكذا الحال في عشرات الآيات التطبيقية الأُخرى ، التي نأمل الوقوف عليها في دراسات أُخرى .
جدير بالذكر أن القرآن الكريم استعمل مفردة الرمز مرّة واحد في قوله تعالى : قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِى آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ ( آل عمران : 41 ) ، وقد اختلف المفسّرون في بيان هذه الرمزية وأسبابها « 1 » ، حيث ورد في جملة من الروايات أنه كان يُومئ برأسه أو بيده أو مطلق الإشارة .
ولنا أن نتساءل عن نوع الاستثناء في الآية الكريمة ، فإن كان الاستثناء منقطعاً فتلك الإشارة الحسية بيده أو برأسه أو بشئ آخر هي المعنية في الكلام ، وإن كان الاستثناء متصلًا فلابد أن يكون التكلم رمزاً من جنس الكلام
العرفي الحاصل باللسان ، ولو خُلّينا نحن والآية فإنه ينبغي الالتزام بالأصل وهو كون الاستثناء متصلًا ، فتكون النتيجة هي أنه كان مأذوناً له بالتكلم العرفي اللساني ولكن بصورة مُقتضبة ، وحيث إن الاقتضاب ينبغي ألا يكون مُخلًا فلابد من الرمزية في المقام ، والرمزية هي لكل تفصيل ، وفى هذه الرمزية دروس تربوية عظيمة قد نقف على تفصيلاتها في مناسبة أُخرى ، ولكن ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جُلّه .
هامش
( 1 ) قال الطبري : « إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك فبشّرته بيحيى ، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه ، فأخذ عليه بلسانه ، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار ، فقال الله تعالى ذكره كما تسمعون : » . جامع البيان ، مصدر سابق : ج 3 ص 352 .