الرمزية في رحم السياسة
سجّلت الرمزية موقعاً متقدماً في عالم السياسة حتى ادعى جملة من أصحابها أسماء لهم غير أسمائهم وصفات غير صفاتهم وبُلداناً غير بلدانهم ، يرمزون بذلك كله إلى ما عسر عليهم إظهاره ، والذي يعنينا في المقام هو أن كل تشكيلة سياسية مُتنفذة كانت أم مُعارضة قد اتخذت من الرمزية في شعاراتها وثقافتها وكل ما يمُتّ بصلة لها منفذاً وطريقاً يُقرّبها من تحقيق أهدافها ، حتى عُرف في الأوساط العامة بأن الساسة الناجحين والمؤثّرين في مجتمعاتهم بأنهم رموز لا ينبغي مسّها أو الطعن بها أمام أسماع الرعية ، وهذا هو ما يدعو الساسة إلى الاندكاك بالرمزية ؛ لما للرمزية من إمكانات هائلة توفر مناخات القدسية والحصانة للمتلبّسين بها ، والتي تُوفر
أيضاً قنوات إقناعية تختصر لأصحابها الوقت والجهد ، فالرسول الأكرم ( ص ) كان رمزاً فريداً من نوعه امتلك قلوب رعيّته فتسابقوا للذود عنه وأملهم بالشهادة بين يديه ، كما أن هنالك مواقع وموارد حسية سجّلت لها بُعداً رفيعاً في عالم الرمزية ، وسوف نقف عند شاهد تأريخي واحد يُقرّب لنا تغلغل الرمزية في محاكاة الحقائق الكبرى .
أما الشاهد فهو فدك ، وفدك نحلة نحلها رسول الله ( ص ) إلى ابنته فاطمة الزهراء ( س ) لتقتات منها هي وعيالها ، ولكن القوم منعوها هذا الحقّ النبوي بعد رحلة الرسول ( ص ) مُحتجين بأن الرسول الأكرم ( ص ) قال :
نحن معاشر الأنبياء لا نورّث . ما تركناه صدقة
« 1 » . فكان ما كان ولم تعد
هامش
( 1 ) روى البخاري : إن فاطمة أرسلت إلى أبى بكر تسأله ميراثها من النبي / / فيما أفاء الله على رسوله تطلب صدقة النبي التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول الله قال : لا نورّث ما تركنا فهو صدقة . انظر : صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري : ج 4 ص 209 ، دار الفكر ، 1401 ه ، بيروت .