وهكذا نلاحظ في عصورنا كيف تأخذ الرمزية مساحة في خطاباتنا ، وكلّما ارتقت لغة المتكلم وتعمّق فهم المتلقّى ازدهرت الرمزية وتجذّرت ، بل إن المتكلم الذي يعيش وعى اللغة سوف يُصاب بالغثيان من الخطاب المباشر .
الرمزية في العبادات
أما العبادات فرمزيتها بيّنة جداً ، ولكنا سوف نُشير إليها من خلال فريضة عبادية مستغرقة في الرمزية في البدء والمنتهى ، وهى فريضة الحج المقدسة ، فلا يخلو ركن أو واجب أو مُستحب فيها من الرمزية ، من إحرام وتلبية وطواف وسعى ووقوف ورمى ونحر وحلق وبيتوتة ، إنه التدرج في الكمالات بواسطة سُلَّم الرمزية ، ولذلك من لم يلتفت لعمق رمزيتها يكون قد فاته من الخير الكثير ،
وبقدر الالتفات لرمزيتها وجوداً ومراتب يكون تحصيل الكمال .
إن رمزية العبادات ليست أمراً إدّعائياً أوترفياً كما يتوهّم البعض ، وإنما هي حقيقة راكزة ومُوغلة في عمق التشريع وصناعة النصّ ، بل لا يُمكن تصور الحركة التشريعية الموافقة لكل عصر ومصر وهى خلو من رُكنية الرمزية فيها ، بل من وجوه عظمة التشريع الاستفادة من الرمزية على نحو الركنية في الصياغة والتركيب والمضمون ، بل إن هذه المستويات الرفيعة من تجلّى الرمزية في السلّم العبادي تحكى لنا عظمة الشريعة في تعاطيها مع وعى الإنسان في حركته التأريخية ، ناهيك كون الرمزية فيها من أبلغ أساليب الجذب نحو تحصيل الكمالات المطلقة .