تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنهج التفسيري — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
هامش
= من مصادر أُخرى ، فيبطل كل ما عداه من دعاوى الخارجين على سنن الكنسية ، فكانت الدعوة للحجر على العقول واضحة ، وهذا ما نُشاطر أصحاب تلك الدعوات التصحيحة في حيازة العلم والحجر السيّئ عليه ، ولكن ما نرفضه هو القطيعة مع أصل الدين والتطورات الجسيمة التي انتهت إليها الأجيال اللاحقة ، التي انتهت إلى حجر معاكس على الدين ، فصار الدين قضية شخصية يختار فيه الإنسان ما يشاء فيرسم علاقته مع الله تعالى ، وبالتالي صار الدين متنوعاً بتبع مشيئة المتبع له ، بل لا يوجد ما هو دين حقيقي ، وإنما هي سطور يقرأها في كتاب لنيتشه وفرويد وماركس وغيرهم ، وهكذا سقط عرش الكنيسة والفكر المسيحي وتلاشت فعالياته لينحسر مؤخراً في حضور جلسة أُسبوعية لتناول ( الكيك والشربت ) وسماع بعض السمفونيات التي ابتدعها لهم العلمانيون أنفسهم ، هكذا أُبدل ذلك الإرث التأريخي بتراتيل قوامها لا يسمن ولا يغنى من جوع ( الغاشية : 7 ) . وما تلك العودة التي انطلقت مع الاستعمار الأُوربى في القرن الثامن عشر لتنشيط المسيحية إلا لمواجهة الإسلام بعد أن عجزوا عن إطفاء نوره ، فهي ليست عودة حميدة ، وإنما هي أشبه بنصرة الخوارج لمعاوية مع شدة بغضهم له فنصروه لا حباً بمعاوية وإنما بغضاً بعلى ، والكلام هو الكلام . وما نُريد أن نخلص إليه هو أن ذلك التصحيح الآنى انتهى إلى تخريب دائمي ، وقد أُريد لهذا التخريب أن يغزو العالم فيُبدل قيم السماء بقيم الإنسان الوضعية ، وأن الإنسان هو المسؤول وحده عن صياغة العالم وصناعة تأريخه ، فاختصروا كل فلسفتهم بهذه الكلمة : ( الإنسان يصنع تأريخه ) ويُراد بذلك أنه يصنع دينه أيضاً ، فعطّلوا ألوهية إله السماء وقالوا بألوهية العقل وقداسة نتاج التجربة . من هنا نلاحظ أهمية تشديد السيد الأُستاذ وتحذيره من الوقوع في مطبّات ذلك النتاج الذي هدم بآلياته الوجود الآخر للإنسان الحسى وهو عالمه الروحي ، وصيره مُجرد أثاث قديم يُذكّره بأمجاد تأريخية وتمزقات وتناثر وانطفاء حاضر .